كانت ليلى تؤمن دائماً أن القدر يحب المفاجآت، لكنه نادراً ما يمنحها فرصة لتصدق ذلك. عاشت
سنوات طويلة بين كتبها وجدران غرفتها الهادئة، بعيدة عن صخب العلاقات والعواطف، حتى
أصبحت حياتها تشبه صفحات رواية رومانسية لم تُكتب بعد. لم تتوقع أن تأتي اللحظة التي
تتغير فيها حياتها بالكامل، لكن تلك الليلة… تحت ضوء القمر… كان وعد واحد كفيلاً بأن يقلب كل
شيء.
الفصل الأول: لقاء غير مخطط
كانت القرية الصغيرة التي تسكنها ليلى تطفح بالهدوء، خصوصاً في الليالي التي يكتمل فيها
القمر. وفي إحدى تلك الليالي، قررت أن تخرج إلى ضفاف النهر القريب لتستمتع ببعض
السكون. حملت معها دفتراً قديماً اعتادت أن تكتب فيه خواطرها. كانت تهرب من الضجيج
الذي استوطن عقلها أكثر من ذاك الذي يحيط بها.
وعند وصولها للنهر، فوجئت بوجود شخص يجلس في المكان نفسه، متكئاً على جذع شجرة
كبيرة. لم تره من قبل في القرية، لكن ملامحه كانت مألوفة بطريقة غريبة. كان ينظر إلى الماء
بصمت وكأنه يتحدث مع شيء داخل الأعماق.
التفت إليها فجأة، وكأن ضوء القمر كشف وجودها.
قال بابتسامة خفيفة:
"أعتذر، هل أزعجتك؟"
هزّت رأسها بسرعة:
"لا، المكان ليس ملكاً لي."
ضحك بصوت هادئ وقال:
"لكن يبدو أنك معتادة عليه أكثر مني."
اقتربت ليلى بخجل وجلست بعيداً قليلاً، لكنها لم تستطع تجاهل الفضول الذي اجتاحها. سألته:
"هل أنت جديد في القرية؟"
أجاب:
"نعم، عدت قبل أيام فقط. اسمي سامر… وأعتقد أنني كنت بحاجة لهذه الليلة أكثر من أي شيء."
تبادل الاثنان حديثاً هادئاً، يمتزج بصوت النهر ونسيم الليل. ولم تدرك ليلى كيف مرّ الوقت إلا
عندما رأت صفحة دفترها ما تزال فارغة، رغم أنها شعرت بأنها كتبت الكثير… لكن هذه المرة،
داخل قلبها.
الفصل الثاني: بداية لم تكن متوقعة
مرت أيام قليلة قبل أن تلتقي ليلى بسامر مرة أخرى. وفي كل مرة، كان اللقاء يبدو مصادفة…
لكنه لم يكن كذلك. فكل منهما كان يبحث عن الآخر دون أن يعترف لنفسه.
كان سامر مختلفاً عن كل من عرفته ليلى. هادئاً، صادقاً، يملك نظرة تحمل حزناً جميلاً يجعل
الإنسان يثق به دون أن يدري. أما هو، فقد وجد في ليلى شيئاً يشبه الراحة التي ضاعت منه منذ
زمن طويل.
وذات مساء، جلسا على ضفاف النهر من جديد.
قال سامر وهو ينظر للسماء:
"ليلى… هل تؤمنين أن بعض الناس يُرسلون لحياتنا في التوقيت الذي نحتاجهم فيه؟"
ابتسمت دون أن ترفع رأسها:
"أحياناً… لكني لا أسمح لنفسي بأن أصدق بسهولة."
نظر إليها سامر مطولاً، ثم قال:
"إذن سأجعلك تصدقين."
لم تفهم قصده تماماً، لكنها شعرت بأن شيئاً كبيراً قد بدأ يتشكل بينهما… شيء يتجاوز مجرد
حديث ليلي تحت ضوء القمر.
الفصل الثالث: الحكاية التي لم يحكها
مرت أسابيع، صارت فيها لقاءاتهما جزءاً أساسياً من يومهما. لكن سامر كان يخفي شيئاً ما…
شيئاً يطفو أحياناً على ملامحه، قبل أن يختبئ مجدداً.
وفي ليلة شتوية باردة، عندما اجتمعا قرب النهر المعتاد، قال لها سامر بصوت منخفض:
"ليلى… هناك أمر يجب أن تعرفيه."
شعرت بأن قلبها يقفز داخل صدرها.
"تفضل…"
تنفس بعمق وقال:
"لم أعد إلى القرية فقط بسبب الشوق… أنا عدت لأهرب من الماضي. كنت مخطوباً لفتاة
أحببتها، لكنها تركتني قبل زفافنا بأيام. لم أستطع البقاء هناك… كل شيء كان يذكرني بها."
شعرت ليلى بوخزة غير مريحة… خليط من الحزن والغيرة والقلق.
قالت بصوت خافت:
"ولماذا تخبرني الآن؟"
أجاب وهو ينظر إليها مباشرة:
"لأنني… بدأت أرى فيك شيئاً أخاف أن أخسره أيضاً."
الكلمات اخترقت قلبها كنسمة دافئة.
ولأول مرة، شعرت ليلى أن هناك رجلاً يرى تفاصيلها… ويخاف عليها.
الفصل الرابع: الوعد
في ليلة اكتمال القمر التالية، عاد سامر إلى المكان حاملاً شيئاً بين يديه… صندوقاً صغيراً من
الخشب.
نظر إليه بخجل وقال:
"هذا ليس خاتماً… ولا شيئاً يشبه الوعود الجاهزة التي تقال في القصص. لكنه شيء يخصني…
وأريدك أن تحفظيه."
فتحت ليلى الصندوق ببطء، فوجدت بداخله ورقة صغيرة مكتوب عليها اسمها، وحجر ناعم أزرق
اللون يشبه لون النهر.
قال سامر:
"هذا الحجر احتفظت به منذ الطفولة. كنت أقول لنفسي إنني سأهديه لمن تغيّر حياتي فعلاً… لا
من تمرّ بخاطري فقط. وأنتِ… فعلتِ ذلك."
لم تستطع ليلى الكلام.
كانت تلك اللحظة أجمل من كل روايات قصص حب قرأتها في حياتها.
ثم قال بصوت ثابت:
"ليلى… أعدك على ضوء القمر… أنني لن أترك يدك، ما دمتِ تريدين السير معي."
كان الوعد بسيطاً… لكنه حمل قوة لم تختبرها من قبل.
الفصل الخامس: الرياح لا تأتي دائماً بما نشتهي
لكن كما يحدث دائماً في القصص الرومانسية الحقيقية، لم تدم السعادة طويلاً. ففي أحد الأيام،
تلقّى سامر اتصالاً هاتفياً أعاد كل شيء إلى نقطة الصفر.
كانت خطيبته السابقة… تطلب رؤيته.
أخبر ليلى بكل صدق، لكنه رأى القلق في عينيها.
قالت وهي تحاول التماسك:
"اذهب… ربما تحتاج لتغلق الباب الذي تركته مفتوحاً."
لم يكن في قلبها أي رغبة لقول ذلك… لكنها شعرت بأن الحب الحقيقي لا يُبنى على خوف أو
هروب.
ذهب سامر… وغاب ثلاثة أيام كاملة.
كانت ليلى في كل ليلة تجلس قرب النهر، تحمل الصندوق الخشبي وتنتظر… دون أن تعرف إن
كان ينتظر أن يعود أم لا.
الفصل السادس: القرار
عاد سامر في ليلة لم يكن فيها القمر كاملاً… لكن ليلى كانت هناك كالعادة.
اقترب منها ببطء، وجلس بجانبها دون أن يتكلم.
قالت بصوت مرتجف:
"هل عدت؟"
نظر إليها بعينين غارقتين بالدموع:
"عدت… لأنها لم تكن بداية جديدة لي، بل مجرد صفحة قديمة كنت بحاجة لتمزيقها. أدركت أنها
صفحة انتهت… أما أنتِ، فأنتِ الصفحة التي بدأت ترسم حياتي من جديد."
اقترب منها أكثر وقال:
"ليلى… أنا اخترتك. ليس لأنني هربت من الماضي، بل لأن قلبي وجد مكانه أخيراً."
لم تستطع منع دموعها، لكنها لم تبتعد.
شعرت بأن الوعد الذي قاله تحت ضوء القمر لم يكن مجرد كلمات… بل كان حقيقة تتجسد
أمامها.
الفصل السابع: حب يولد من جديد
عادت حياة ليلى وسامر لتشتعل من جديد، لكن هذه المرة كانت أقوى… أعمق… وأكثر نضجاً. لم
يكن الحب بينهما هروباً، ولا وهماً، بل بناءً صادقاً يشبه النهر الذي كان شاهداً على أول لقاء.
وبعد أشهر، في ليلة يشبه قمرها تلك الليلة الأولى، وقف سامر أمام ليلى ممسكاً بيديها وقال:
"هذه المرة… الوعد ليس على ضوء القمر فقط… بل أمام الحياة كلها."
ابتسمت ليلى وقالت بثقة:
"وأنا… أعدك أن أبقى."
لم يكن زواجاً فقط… بل كان بداية قصة حب حقيقية تتجاوز الكلمات، وتعيد تعريف معنى الوعد،
ومعنى أن يجد الإنسان قلباً يشبه بيته.

.png)
