البداية والغموض
في قلب الصحراء العربية، حيث تمتد الرمال كبحرٍ ذهبي لا نهاية له، كانت الحكايات تتناقل بين
الناس منذ قرون. كانوا يتحدثون عن قصة غريبة وعجيبة، عن قصر يظهر في الليل تحت ضوء
القمر، ويختفي مع أول خيوط الفجر، فلا يُرى له أي أثر في النهار. تقول الأساطير إن من يدخل
هذا القصر لا يعود كما كان، فإما أن يخرج غنيًا كملك، أو يختفي إلى الأبد، تاركًا وراءه لغزًا لا يُحل.
في مدينة صغيرة تُدعى الزمردة، عاش شاب يتيم الأبوين يُدعى سالم. كان يعمل بائعًا للتمور
والعطور في سوق المدينة، لكنه لم يكن مثل بقية الصبية. فقد امتلك فضولًا لا يهدأ، وحبًا
للقصص الغريبة التي يرويها الرحالة والتجار القادمون من أصقاع الأرض. كانت تلك القصص،
التي تشبه حكايات ألف ليلة وليلة، تأخذ عقله إلى عوالم مليئة بالسحر والجن والأسرار الغامضة.
وذات مساء، وبينما كانت النجوم تتلألأ في السماء مثل آلاف المرايا الفضية، جلس سالم قرب
نار صغيرة خارج المدينة ليستريح بعد يوم طويل في السوق. سمع فجأة صوت شيخ عجوز
يروي قصة عن قصر يظهر في الصحراء ليلة الجمعة من كل أسبوع، ثم يختفي عند أول خيوط
الفجر. قال الشيخ بصوت مرتجف ولكنه عميق:
"من يجرؤ على دخول هذا القصر، قد يجد فيه كنوزًا لا تُحصى… أو يختفي إلى الأبد."
اقترب سالم من الشيخ وسأله:
"يا عمّي، أحقّ ما تقول؟ وهل رأيت القصر بعينيك؟"
ابتسم الشيخ وقال:
"رأيته يا بني، لكنني لم أدخله. من دخله لم يعد، إنه قصرٌ غامض لا يصدقه إلا من رآه بعينيه."
ظلّ سالم يفكر في القصر طوال الليل، وعقله يغوص في خيالات الكنوز والأسرار، ومع طلوع
الفجر اتخذ قرارًا جريئًا:
"من لا يخاطر لا يظفر، ولعلّ الله يكتب لي نصيبًا من هذا السر الغامض."
اشترى جملاً وزوده بالماء والزاد، وسأل أحد البدو عن الطريق إلى وادي السراب، حيث يُقال إن
القصر يظهر هناك. بعد رحلة شاقة استمرت ثلاثة أيام تحت الشمس الحارقة، وصل سالم إلى
وادٍ تحيط به كثبان عالية، كأنها تحرسه من أعين البشر.
مع غروب الشمس، بدأ الهواء يبرد وسكنت الصحراء في سكون مهيب. فجأة، رأى سالم من
بعيد نورًا أخضر يشع من بين الرمال، يتزايد شيئًا فشيئًا حتى تكوّن أمامه قصر من نور وبلّور،
كأنه خرج من حلم بعيد. ارتجف قلبه بين الخوف والدهشة، لكن فضوله كان أقوى. اقترب ببطء
حتى وقف أمام بوابة ضخمة من الذهب المرصع بالأحجار الكريمة، فُتحت من تلقاء نفسها كأنها
تنتظره.
دخل سالم القصر، فرأى حدائق لم ترها عين بشر: أشجار من زمرد، وأنهار من عسل صافٍ، وطيور
تتحدث بلغة يفهمها القلب. وفي وسط البهو الكبير، جلس ملك يرتدي تاجًا من الياقوت، تحيط
به خدم لا يلمسون الأرض، كأنهم أطياف من نور.
قال الملك بصوت رخيم:
"مرحبًا بك يا سالم، لقد كُتب لك أن تكون ضيفنا هذه الليلة."
دهش سالم وقال:
"من أنت؟ وكيف عرفت اسمي؟"
ابتسم الملك وقال:
"أنا ملك القصر الذي لا يراه إلا من كان قلبه طاهرًا وشجاعًا. جئت لأنك تبحث عن الحقيقة،
وستجدها هنا… إن استطعت الصمود حتى الفجر."
قاد الملك سالم إلى قاعة مليئة بالمرايا وقال له:
"في كل مرآة ترى جزءًا من نفسك، ولكن واحدة منها تخفي باب الحقيقة. اختر بعقلك، لا
بعينيك."
وقف سالم حائرًا. كل مرآة تعكس وجهه بطريقة مختلفة: واحدة تُظهره عجوزًا، وأخرى غنياً،
وثالثة طفلاً. لكنه لاحظ مرآة صغيرة في الزاوية لا تعكس شيئًا، فاقترب منها، ولمّا لمسها
انفتح جدار سرّي يقوده إلى ممر مضيء.
في نهاية الممر، وجد غرفة بها صندوق ذهبي صغير، وعلى بابه نقوش بالعربية القديمة تقول:
"من فتحني دون نية طيبة، صار ترابًا تذروه الرياح."
تردد سالم، ثم قال في نفسه:
"أنا لم آتِ للسرقة، بل لأعرف السر."
فتح الصندوق ببطء، فإذا بداخله مرآة صغيرة أخرى، لكنها لم تُظهر وجهه، بل مدينة الزمردة
وهي تحترق! فزع سالم، وسمع صوتًا عميقًا يقول:
"إن لم تحذر الطمع يا سالم، فمدينتك ستُبتلى بما لم تتوقع."
صرخ سالم:
"يا ربّ، اغفر لي إن كنت أخطأت، فلست أريد كنوزًا ولا ذهبًا!"
فجأة، دوى صوت رعد، وبدأ القصر يهتز كأنه ينهار. أغمض سالم عينيه من شدة الضوء، وحين
فتحها وجد نفسه في الصحراء وحده، لا أثر للقصر، ولا لأي شيء من تلك العجائب.
الجزء الثاني: اختبار القلوب والشجاعة
عاد سالم إلى المدينة، وعقله مشوش من المشهد الذي رأى، لكنه لم ينسَ التحذير. بدأ الناس
يتجمعون حول بئر قد جف ماؤه، وأخبروا سالم أنهم شاهدوا نورًا غريبًا في السماء ليلاً، ثم
اختفى فجأة.
قرر سالم أن يعود للصحراء مرة أخرى، هذه المرة بنية خالصة، ليس من أجل الذهب، بل لمعرفة
سر القصر الحقيقي. بدأ الرحلة مع البدو، الذين حذروا من التردد والطمع، وقالوا له:
"القصر لا يظهر إلا لمن قلبه صافي، ومن يطمع يضيع."
عندما وصل سالم إلى وادي السراب، ظهرت أمامه بوابة القصر مرة أخرى، ولكن هذه المرة كانت
أكثر إشراقًا، وكأن القصر يعرف أنه عاد.
دخل القصر فوجد حدائق أكبر، وأنهارًا تتدفق من ماء الحياة، وطيورًا تتحدث بلغة العقل، وأزهارًا
تطلق عبيرًا يشفي القلب.
في قلب القصر، وجد غرفة الاختبارات، حيث يجب على كل من يدخل أن يثبت شجاعته وصفاء
قلبه. كان أمامه ثلاث أبواب، كل باب يحمل رموزًا غامضة.
الباب الأول: رمز النار، يمثل القوة والشجاعة.
الباب الثاني: رمز الماء، يمثل الحكمة والصبر.
الباب الثالث: رمز الريح، يمثل الحرية والتضحية.
اختار سالم الباب الأوسط، الماء، ودخل ليجد نفسه في بحيرة لامعة، حيث يجب عليه مواجهة
مخاوفه الداخلية. رأى انعكاساته، كل واحدة تمثل صفة سيئة، من الطمع إلى الخوف إلى
الغضب. لم يهرب، بل واجه نفسه، وبدأ يتحكم في تلك المشاعر، ففتح الطريق إلى غرفة جديدة
مليئة بالنور.
الجزء الثالث: مدينة الأسرار والمخلوقات العجيبة
في الغرفة التالية، وجد سالم مدينة صغيرة داخل القصر، مليئة بالمخلوقات العجيبة: جنّ من
الضوء، حيوانات تتكلم، وأشجار تتنفس. كانت المدينة خالية من البشر، لكن كل زاوية فيها تحكي
قصة، وكل مخلوق يختبر زائرها.
سالم تعلم من هذه المخلوقات دروسًا عن الرحمة والشجاعة، وعن معنى القوة الحقيقية التي
لا تأتي من الذهب أو السلطة، بل من القلب النقي.
في قلب هذه المدينة، اكتشف بوابة تؤدي إلى برج القصر. البرج كان مليئًا بالألغاز والرموز
القديمة، تتطلب من سالم التفكير والمنطق، واستخدام كل ما تعلمه في رحلته حتى الآن.
الجزء الرابع: مواجهة الملك والحقيقة
في الطابق الأعلى من البرج، جلس الملك مرة أخرى، وقال:
"لقد وصلت إلى هنا لأنك واجهت مخاوفك وأثبتت قلبك الصافي، ولكن هناك اختبار أخير. هل أنت
مستعد لمواجهة الحقيقة؟"
أومأ سالم، وخاض الاختبار الأخير، حيث شاهد المستقبل والخيارات التي تنتظره. كل خيار كان
يحمل عواقب عظيمة، فتعلم أن أفعاله لا تؤثر فقط على نفسه، بل على مدينته وكل من حوله.
الجزء الخامس: العودة والعبرة
بعد اجتياز كل الاختبارات، أعطاه الملك مرآة صغيرة، لكنها لم تُظهر وجهه، بل أظهرت المدينة
بأمان وازدهار. قال الملك:
"الكنز الحقيقي ليس في الذهب، بل في القلب النقي والعقل الواعي."
عاد سالم إلى الزمردة، ولم يعد للتجارة، بل أصبح خادمًا للناس، يروي الحكايات، ويساعد كل
محتاج.
وظلت قصة القصر الغامض تُروى بين الناس، وسحرها يبقى حيًا في الصحراء، ينتظر قلبًا
شجاعًا ليكشف أسراره من جديد.

.png)
