في القرى الصغيرة، تنتشر دائماً قصص غريبة تُروى على لسان الكبار، قصص يصعب تصديقها
لكنها تبقى قادرة على إثارة الخوف والدهشة في آن واحد. ورغم أن أغلبها يكون مجرد خيال أو
مبالغة، إلا أن بعض الحكايات تحمل في طياتها حقيقة مُرّة لا يعرفها إلا أصحابها. هذه القصة
واحدة من تلك القصص… قصة الطفل الذي يرى ما لا يُرى.
اسمه “رامي”، طفل يبلغ من العمر عشر سنوات، يعيش مع والديه في منزل بسيط يقع عند
أطراف قرية هادئة. لم يكن مختلفاً عن باقي الأطفال، سوى في شيء واحد… شيء جعل الجميع
يخشونه، ويتساءلون عنه، ويتهامسون كلما مرّ بجانبهم:
رامي كان يرى ما لا يراه الآخرون.
البداية: ملاحظات صغيرة… تتحوّل إلى رعب كبير
بدأ كل شيء عندما لاحظت أم رامي أنه يحدّق طويلاً في الزوايا الفارغة من الغرف، أو يبتسم
لشخص غير موجود، أو ينادي أحداً لا يراه أحد سواه. في البداية اعتقدت الأم أن الأمر مجرد لعب
طفولي. لكن مع مرور الأيام، صار رامي يصف تفاصيل دقيقة:
“ماما، الرجل الطويل في المطبخ يقول إنه جائع.”
“ماما، لماذا تبكين؟ الجدّة تجلس بجانبك الآن، تقول إنها ستظل تحرسك.”
“أبي، لماذا تتجاهل الطفل الذي خلفك؟ إنه يضحك عليك.”
كان كلامه كالسكاكين، يقطع سكون البيت ويُنزل الرعب في قلوب الجميع. حاول والده تجاهل
الأمر، لكنه بدأ يشعر أن الأمر ليس عادياً، خاصة عندما صار رامي يصف أشخاصاً توفّوا قبل
سنوات طويلة، ويذكر ملامحهم بدقة لا تُصدّق.
تفاقم الحالة: رؤية ما وراء الليل
لم يكن الليل صديقاً لرامي قط. كان يبكي كل مساء، ويرفض النوم في غرفته، ويقول لأمه:
“هناك وجوه تخرج من الحائط… أرجوكِ لا تتركي الضوء.”
في إحدى الليالي، استيقظت الأم على صراخه، فركضت إليه لتجده مختبئاً تحت السرير، يرتجف
كعصفور مبلل، وهو يقول:
“المرأة السوداء… كانت تقف فوق صدري… تريد أن تأخذني معها!”
بدأت الأم تشك أن ابنها يرى فعلاً ما لا يراه غيره. أما الأب، فقد حاول تفسير الأمر بالطب
النفسي، لكن كل طبيب يزوره الطفل كان يعود بنفس الجملة:
“ابنك طبيعي تماماً… لكنه فقط يتخيّل.”
لكن رامي لم يكن يتخيّل. فقد كان يصف أشياء لا يمكن لعقله الصغير اختراعها.
السر الذي اكتشفته الجدة
كانت الجدة، أم الأب، هي الوحيدة التي لم تُظهر خوفاً. بل على العكس، كانت تنظر إليه بنظرة
تحمل شيئاً من المعرفة القديمة. وفي إحدى الأمسيات، جلست قربه وسألته بصوت منخفض:
“يا رامي… عندما ترى هؤلاء… هل يؤذونك؟”
لم يتردد الطفل في الإجابة:
“البعض منهم فقط… أما الآخرون فهم يقتربون مني لأنهم يعرفون أني أراهم.”
أغمضت الجدة عينيها ببطء، ثم قالت للأم والزوج عندما انفردت بهما:
“هذه القدرة ليست جديدة… لقد وُجدت في العائلة منذ زمن بعيد.”
فتحت الأم فمها بدهشة:
“تقصدين أن هذا الأمر وراثي؟”
هزّت الجدة رأسها، وأخبرتهم بحكاية قديمة عن أحد أجداد العائلة، وهو رجل كان معروفاً بقدرته
على رؤية عالم آخر موازٍ لعالمنا، عالم الأرواح التي لم تجد طريقها للراحة. كان يستطيع التواصل
معهم، يسمعهم، ويرشدهم إلى النور… لكنه توفي في ظروف غامضة.
ومنذ ذلك الحين، لم يظهر أحد يحمل نفس القدرة… حتى الآن.
الانعطاف الكبير: زيارة الرجل الذي لم يكن إنساناً
بعد أسبوع، ازدادت الأمور سوءاً. صار رامي يرى “كيانات” أكبر مما يستطيع تحمّله طفل. كان
يصفهم بعيون واسعة مذعورة:
“هناك ظل ضخم عند الباب… لكنه ليس إنساناً.”
“شيء يمشي على الجدران.”
“هناك صوت يناديني من تحت الأرض.”
وفي ليلة من الليالي، جلس رامي في الصالة وحده. كانت أمّه في المطبخ، بينما الأب في الخارج.
فجأة صرخ الطفل:
“ماما! الرجل الذي بلا وجه يريد الدخول!”
هرعت الأم إليه، لكن ما أثار رعبها هو أنها شعرت ببرودة شديدة اجتاحت الغرفة… شيء غير
طبيعي، أقرب إلى وجود غير مرئي.
كان الطفل يبكي:
“إنه يقترب… إنه هنا… إنه واقف بجانبك!”
لم ترَ الأم شيئاً، لكنها شعرت بشيء يمر بجانبها، كنسمة باردة حادة، كيدٍ مجهولة تلامس
الهواء.
التحوّل: لماذا يلاحقونه؟
في صباح اليوم التالي، استدعت الجدة شيخاً معروفاً في القرية، رجلاً خبيراً بالظواهر الغريبة.
جلس الشيخ أمام رامي وسأله بهدوء:
“لماذا يرونك؟ لماذا يتحدثون إليك أنت فقط؟”
أجاب رامي ببراءة:
“لأنهم يقولون إنني ‘الباب’.”
رفع الشيخ رأسه بقلق:
“الباب؟ أي باب؟”
“الباب بينهم وبيننا. يقولون إنني أستطيع أن أسمح لهم بالعبور… أو أغلقه إلى الأبد.”
ارتجفت الأم. أما الشيخ، فبدا أن الأمر أكبر مما توقع. ثم قال:
“هذا الطفل… يملك حسّاً روحيّاً نادر الوجود. رؤية ما لا يُرى نعمة إذا استُخدمت للخير… ونقمة إذا
اقتربت منه الكيانات الشريرة.”
الحدث الأعظم: الليلة التي كاد يفقد فيها حياته
مرت أيام هادئة نسبياً، إلى أن جاءت تلك الليلة… الليلة التي ستبقى محفورة في ذاكرة كل من
عاشها.
كانت الساعة الثالثة فجراً عندما استيقظت الأم على صوت ضحك منخفض قادم من غرفة
ابنها. اقتربت بتردد، وعندما فتحت الباب… تجمّدت مكانها.
كان رامي جالساً على الأرض، يحدّق في الفراغ، ويضحك بطريقة غير طبيعية.
قال بصوت مبحوح:
“هم هنا… الكثير منهم… يريدون الدخول.”
دخلت الأم مسرعة وأمسكته، لكنه لم يكن كابنها. كان جسده بارداً، وعيونه لا ترمش.
ثم صرخ فجأة:
“إنه قادم! الرجل بلا وجه! يريد أن يأخذني!”
في تلك اللحظة اهتزت الغرفة. سقطت الأشياء من الرفوف كأن هناك قوة خفية تعبث بها.
النوافذ ارتجت، والباب انغلق بقوة خلف الأم.
كان المشهد مرعباً إلى حد لا يُصدق. لم تعد القصة مجرد “رؤية”، بل أصبح هناك شيء يتحرك
في الواقع.
حاولت الأم حمله للخروج، لكنه كان يصرخ بشدة، يشير إلى زاوية مظلمة من الغرفة، كأنه يرى
كياناً مخيفاً يقترب.
ثم فجأة… سقط الطفل مغشيّاً عليه.
النقطة الفاصلة: إغلاق الباب
جاء الشيخ على الفور. وبعد ساعات من القراءة والتهدئة والتطهير الروحي للمنزل، بدأ الوضع
يتحسن. وعندما استيقظ رامي، كان مرهقاً جداً، وكأنه خاض معركة طويلة.
سأله الشيخ:
“هل ذهبوا؟”
هز الطفل رأسه ببطء:
“معظمهم… لكن الرجل بلا وجه… لم يذهب بعد.”
تنفّس الشيخ بعمق وقال للأهل:
“يجب أن نُعلّمه كيف يغلق الباب. إن لم يتعلم… سيظل مطارداً مدى الحياة.”
الخاتمة: طفل يرى… لكنه اختار ألّا يُرى
على مدار أسابيع كاملة، كان الشيخ والجدة يدرّبانه على كيفية التحكم في قدرته. تعلّم رامي أن
يفرّق بين الأرواح الطيبة التي تريد المساعدة، والكيانات المؤذية التي تبحث عن منفذ إلى عالم
البشر.
وبعد أشهر من التدريب الروحي والنفسي، استطاع أخيراً أن يقول:
“أنا من يقرر… أنا من يغلق الباب.”
ومنذ ذلك اليوم، توقفت الأصوات. اختفت الظلال. لم تعد هناك وجوه في الليل، ولا كيانات
تتسلق الجدران.
لكن رامي لم ينسَ…
كان يعلم أن قدرته ما تزال بداخله، وأنه يرى ما لا يراه الآخرون، لكنه اختار ألّا يُفتح الباب مجدداً.
ومع مرور الزمن، أصبح الصمت الذي يحيط بغرفته ليس مجرد صمت… بل بوابة مغلقة بإحكام.
بوابة لا يجب أن تُفتح مرة أخرى.

.png)
