كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة ليلًا عندما أنهى سامي مناوبته المتأخرة في الشركة. كان
التعب يثقل عينيه، لكن أكثر ما كان يشغل باله هو الطريق الطويل الذي يجب أن يسلكه ليصل
إلى منزله في ضاحية هادئة بعيدة عن المدينة. عادةً ما كانت الطرق مألوفة بالنسبة له، فهو
يسلكها كل يوم، لكن تلك الليلة حملت شيئًا غريبًا لم يستطع تفسيره.
ركب سيارته، وأدار المحرك الذي أصدر صوتًا مكتومًا. بدأ يقود على نفس الطريق الذي اعتاد عليه،
الطريق الذي يحفظ كل منعطف فيه، كل لافتة، وكل شجرة على جانبيه. لكن بعد دقائق قليلة
لاحظ شيئًا غريبًا…
الطريق بدا أطول من المعتاد.
ضغط على الوقود قليلًا، معتقدًا أن إرهاقه هو ما يجعله يتوهم. نظر إلى لوحة الطريق التي كانت
دائمًا تشير إلى “الضاحية الشرقية – 12 كم”. لكن اللوحة تلك المرة لم تحمل أي كتابة. كانت
بيضاء تمامًا، كما لو أن أحدهم قام بمسح الحروف بعناية مخيفة.
أحس بخيط بارد يسري في ظهره.
لكنّه تابع القيادة.
مع مرور الوقت أصبح الظلام أكثر كثافة، وكأن المصابيح الأمامية لسيارته فقدت نصف قوتها.
لم يعد يرى إلا مترين أمامه. كان طريقه دائمًا مضاءً بالأعمدة، فلماذا لا يوجد أي ضوء في هذه
الليلة؟
بدأ يشعر أن الطريق لا يقوده إلى منزله… بل إلى مكان آخر.
رفع هاتفه ليتحقق من الخرائط. لم يكن هناك إشارة. لا شبكة. لا GPS. الشاشة سوداء إلا من
ساعة الهاتف التي تستمر في الدوران بلا هدف. كأن المكان الذي هو فيه ليس ضمن نطاق
العالم أصلًا.
ابتلع ريقه، وتوقف جانبًا للحظة.
أطفأ محرك السيارة.
سكون مطبق.
لا رياح.
لا أصوات سيارات أخرى.
لا شيء.
ثم… صوت خطوات.
قادم من خلفه.
التفت بسرعة إلى المرآة الخلفية، لكن لم يكن هناك أحد. فتح النافذة قليلًا ليستمع بوضوح. مرة
أخرى… خطوات. بطيئة، متدرجة، كأن أحدًا يقترب من سيارته بثقة.
“من هناك؟” صرخ سامي بصوت مضطرب.
لم يرد أحد.
أعاد تشغيل المحرك في ارتباك، وانطلق بسرعة كبيرة، غير مهتم بالسرعة أو بالطريق. كل ما
أراده هو العودة إلى منزله. إلى سريره. إلى أي مكان مألوف. لكن ما حدث بعدها كان صادمًا أكثر.
الطريق بدأ يتغيّر أمام عينيه.
الأشجار أصبحت أكثر كثافة، تتداخل فروعها فوق الطريق حتى تكاد تلامس سقف السيارة.
الضباب ازداد حتى صار أشبه بجدار يحجب العالم. بدأت اللافتات تظهر، لكن ليس بالعربية… ولا
بأي لغة يعرفها. مجرد رموز غريبة ملتوية، وكأنها نقوش تعود لحضارة منسية.
وبعيدًا، وسط الظلام، ظهر منزل.
لم يكن منزلًا يعرفه، ومع ذلك… بدا مألوفًا بطريقة مزعجة. كأنه نسخة مشوهة من منزله
الحقيقي، لكن أكبر حجمًا، أكثر ظلمة، وجدرانه متشققة، والنوافذ مفتوحة على فراغ أسود كثقب
لا نهاية له.
السيارة توقفت من تلقاء نفسها، رغم أن قدمه ما زالت تضغط على الوقود. المحرك انطفأ،
والأضواء تلاشت.
كأن الطريق أراد منه أن يصل إلى هذا المنزل.
تنفس سامي بصعوبة. كان كل شيء بداخله يصرخ: اهرب.
لكن باب السيارة لم يفتح.
عندما حاول فتحه، سمع نفس الخطوات مرة أخرى. أقرب.
ثم طرقات بطيئة على زجاج السيارة.
تاك… تاك… تاك…
“من أنت؟!” صرخ سامي وهو يغطي نصف وجهه بذراعه.
لم يجب أحد، لكن الطرق توقف.
كل شيء صمت.
وفجأة، فتح الباب… من تلقاء نفسه.
لم يكن أمامه أي شخص، لكن الهواء المحيط كان باردًا بشكل غير طبيعي، وكأنه خرج من قبر
قديم. أدرك سامي أنه لم يعد قادرًا على البقاء داخل السيارة. عليه أن يفهم أين هو، أو على الأقل
أن يجد وسيلة للعودة.
نزل بحذر.
الأرض كانت جافة، لكن خطواته لم تصدر أي صوت.
كأن الطريق نفسه يمتص الأصوات.
توجه نحو المنزل بحذر، وكلما اقترب، ازداد إحساسه بأنه مراقَب. رأى باب المنزل مفتوحًا قليلًا،
يئن مع حركة الهواء. الجدران كانت تنبض باهتزاز خفيف، كأن المنزل يتنفس.
“هذا ليس منزلي…” تمتم بصوت مرتعش.
لكن الطريق هو الذي قاده إليه.
الطريق الذي يقود لمنزلك… لكنه ليس منزلك.
دخل بخطوة مرتبكة. الداخل كان مظلمًا إلا من ضوء خافت قادم من غرفة في نهاية الممر. كانت
رائحة رطوبة قوية تملأ المكان، وكأن المنزل مغلق منذ سنوات طويلة.
عندما مشى عدة خطوات، سمع صوتًا يُشبه الهمسات. أصوات خافتة، متداخلة، كأن أشخاصًا
كُثر يتحدثون من خلف الجدران.
حاول التراجع.
لكن الباب خلفه… أغلق بسرعة مروّعة.
انحشر الممر في الظلام، والهمسات ازدادت حدة. كان بإمكانه الآن تمييز بعض الكلمات، رغم
أنها خرجت مبعثرة:
"عدت…"
"أخيرًا…"
"انتظرناك…"
تجمد الدم في عروقه.
“أنا لست الشخص الذي تبحثون عنه!” قال بصوتٍ يختلط بالإحباط والخوف.
لكن الهمسات لم تتوقف. بل أصبحت أقرب… وأقرب… حتى شعر بأنفاس باردة على عنقه رغم
أنه لا يرى أحدًا.
ركض نحو الغرفة المضيئة في نهاية الممر. عندما دخلها، اختفت الأصوات فجأة.
وجد نفسه في غرفة تشبه غرفة جلوس منزله، لكن ليست هي. نفس الأثاث… نفس الطاولة…
نفس اللوحة على الجدار… لكن الألوان باهتة، كأن النسخة التي أمامه ميتة.
وفوق الطاولة، وجد صورة عائلية.
لكن بدل وجوه أفراد عائلته… ظهرت وجوه باهتة مشوهة، بلا ملامح واضحة. وفي زاوية
الصورة… رأى نفسه، لكن بوجه أسود تمامًا.
ارتجفت يده عندما أمسك الصورة.
وفي تلك اللحظة… انطفأ الضوء.
الغرفة غرقَتْ في ظلام دامس.
ثم… صوت أنفاس خلفه.
التفت ببطء.
كانت هناك هيئة واقفة في الممر. طويلة جدًا، رأسها مائل، وجسمها نحيل بشكل غير إنساني.
لم يكن لها وجه واضح، فقط فراغ أسود عميق.
تقدمت خطوة نحوه.
سامي تراجع حتى اصطدم بالجدار.
“اخرجوني من هنا! أرجوكم!”
الهيئة توقفت.
ثم رفعت يدًا طويلة مستحيلة الطول، وأشارت إلى النافذة.
فهم سامي أنها تريد منه الهرب.
ركض مباشرة نحو النافذة، فتحها وقفز دون تفكير.
عندما سقط على الأرض، وجد نفسه… على الطريق من جديد.
الليل نفسه.
الظلام نفسه.
لكن سيارته كانت على بعد خطوات.
ركض نحوها، دخل بسرعة وأدار المحرك بجنون.
وهذه المرة… اشتغل.
عاد أدراجه عبر الطريق، لكن شيئًا غريبًا حدث…
الطريق عاد إلى حالته الطبيعية.
الأضواء عادت.
اللافتات ظهرت.
كأن شيئًا لم يحدث.
وصل إلى منزله الحقيقي منهكًا، مصدومًا، غير قادر على تفسير ما مر به.
عندما دخل بيته، أغمض عينيه محاولًا استعادة أنفاسه.
لكن عندما فتحهما…
لاحظ شيئًا جعل قلبه يتوقف.
على طاولة غرفة الجلوس…
كانت الصورة العائلية المشوهة التي وجدها في المنزل الآخر.
وسطها… صورته ذات الوجه الأسود.
وبجانب الصورة… ورقة صغيرة كُتب عليها:
"هذه المرة نبهناك…
في المرة القادمة لن يكون هناك طريق للعودة."

.png)
