استطاع نبيّ الله داود -عليه السلام- أن يكون مثالًا خالدًا على القوة، الحكمة، والإيمان الراسخ
بالله. فقد اختاره الله ليكون من أعظم الأنبياء، وأوكل إليه مهام عظيمة في الأرض، منها قتال
عدو الله الظالم، وإدارة شؤون الملك بعد أن مكّنه الله فيها، وإصدار الأحكام الحكيمة.
كانت بداية شهرة داود -عليه السلام- حين واجه عدو الله الظالم، جالوت، الذي كان يحكم الأرض
بالظلم والطغيان، وكان قوياً وقاسياً لا يهاب أحدًا. حين تقدّم جالوت بجيشه ليثبت سيطرته
على بني إسرائيل، وقف داود -عليه السلام- شاباً شجاعاً، مؤمنًا بالله، لم يركع أمام جبروت
الظالم. قال الله تعالى في محكم كتابه: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ
وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ…).
بدأ داود -عليه السلام- معركة جالوت بسلاحه البسيط: مقلاع صغير وحجر واحد، لكن إيمانه بالله
جعله قوياً ومتمكناً. أطلق الحجر فصدم جالوت على رأسه، وسقط الظالم مقتولًا، ليكون داود
بداية عهد جديد لبني إسرائيل، عهد العدل والإيمان. هذه المعجزة لم تكن فقط قوة جسدية، بل
قوة روحانية منحها الله له.
بعد هذه المعجزة، مكّنه الله من ملك الأرض. وهب له القدرة على الحكم بالعدل، وأوكل إليه
مسؤوليات عظيمة، فكان يحكم بالحق ويطبق الشريعة بإحسان. لم يقتصر فضل الله على داود
في القوة العسكرية والملكية، بل منحه الحكمة والقدرة على حل المشكلات الكبيرة، وعلّمه
أسرار الحكم وإدارة الناس.
إضافة إلى ذلك، أظهر الله لداود مواهب عظيمة فريدة. فقد علّمه تشكيل الحديد بطرق لم
يستطع أي إنسان آخر أن يتقنها، وكان يصنع الدروع والأسلحة، ويصنع كل ما يحتاجه الجيش
من أدوات دفاعية وهجومية. لقد كانت حرفة الحديد من أفضل مواهبه، وكان الناس يحترمونه
ويقدّرون براعة يداه في هذه الصناعة.
ومن أعظم معجزاته أن الطير والجبال كانت تسبيح لله معه. فكان يتحدث إلى الطير، وتستجيب
له، وكان الجبل ينحني لتسبيح الله. هذا الإعجاز العظيم يظهر مدى ارتباط داود بالله، ومدى
تقديره ووعيه بمقام النبوة الذي اختاره الله له.
وعلى صعيد آخر، أنزل الله عليه كتاب الزبور، الذي احتوى على الحكم والمواعظ، وكان منهجًا
للبشرية في العدل والطاعة. فقد كان داود يتلو الزبور على قومه، يعلمهم الحكمة ويذكّرهم
بقدرة الله وعظمته، ويحثهم على العيش بالحق والعدل.
ولم ينس الله فضل داود، بل وهبه سليمان عليه السلام، ابنًا صالحًا ووريثًا للملك والحكمة. قال
الله تعالى: (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ). وقد أصبح سليمان امتدادًا لميراث
داود، مواصلًا الحكم بالعدل، والاهتمام بالشعب، وإظهار المعجزات التي تجلّت من الله.
لقد تميزت حياة داود -عليه السلام- بالتوازن بين القوة والرحمة، بين القوة العسكرية والحكمة
الروحية، بين الملك والعبادة. فقد كان يحارب الظلم بيديه، ويقود الجيش بحنكة، ويحل النزاعات
بعدل، وفي الوقت نفسه كان قلبه مع الله دائمًا، يسبّح ويعبد، ويذكر الناس بأهمية الإيمان
والعمل الصالح.
وفي إحدى المواقف العظيمة، حين واجه داود قومًا متنازعين على الأراضي، استخدم حكمته
وفطنته لحل النزاع بطريقة سلمية، دون دماء أو ظلم. لقد كان مثالًا حيًا على قول الله تعالى:
(وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).
كما أن داود لم يقتصر على قيادة البشر فقط، بل كان له اتصال روحي بالطبيعة. الطير يسبّح لله
معه، والجبال تخضع لأمر الله في يد داود، كل ذلك ليظهر قدرة الله المطلقة وعظمته في
الأرض. وكان داود يعتبر أن كل هذه المعجزات هبة من الله، وليس من فضل نفسه، ليكون مثالًا
للعبد الصالح المتواضع أمام خالقه.
وفي نهاية حياته، ترك داود إرثًا عظيمًا، ليس فقط في الحكم والملك، بل في العلم والحكمة
والعبادة. وقد أصبح اسمه مرادفًا للعدل، والقوة، والحكمة، والتقوى. ومن خلال قصة داود عليه
السلام، نتعلم أن القوة ليست فقط في الجسد، بل في العقل والقلب والإيمان بالله. وأن
الملكة الحقيقية هي القدرة على استخدام القوة بالعدل والرحمة، وأن النجاح في الحياة مرتبط
دائمًا بالاستعانة بالله والالتزام بتعاليمه.
هكذا، تظل قصة داود عليه السلام نورًا يهدي الأجيال، وعبرة لكل من يسعى للعدل والقوة
والعبادة، مؤكدًا أن الله يختار عباده ليكونوا أداة للخير في الأرض، ويمنحهم المعجزات
والإمكانيات التي تجعلهم قادرين على نشر الحق والهداية بين الناس.

.png)
