محمّد عليه الصلاة والسلام: من البعثة إلى بناء الدولة الإسلامية

ArabStories
0

 




تُعَدّ قصة النبي محمد عليه الصلاة والسلام من أعظم قصص التاريخ الإسلامي، فهي حكاية

نبي اصطفاه الله ليكون خاتم الأنبياء، ورسالته آخر الرسالات السماوية. قصة تحمل بين

فصولها الصبر، التحدي، الرحمة، والقيادة الحكيمة. وفي هذه القصة نستعرض مراحل الدعوة

منذ البعثة وحتى وفاته ﷺ بأسلوب سردي مشوّق يراعي معايير السيو ويُبرز الحقائق التاريخية

بدقة.



البعثة في غار حراء

كان النبيّ محمد ﷺ معروفاً قبل البعثة بالأمانة والصدق بين قومه، حتى لقبوه بـ"الصادق الأمين".

ومع مرور السنوات، كان يشعر بانزعاجٍ من فساد المجتمع المكي: عبادة الأصنام، الظلم، وأكل

أموال الضعفاء. فكان يخرج إلى غار حراء يتأمّل في خلق الله، ويبتعد عن ضوضاء الحياة.


وفي ليلة عظيمة تغيّرت فيها مسيرة البشرية، جاءه جبريل عليه السلام وقال له: "اقرأ". كانت

تلك اللحظة بداية بعثة النبي محمد عليه الصلاة والسلام، وابتداء نزول القرآن الكريم نوراً

للعالمين.


عاد النبي ﷺ إلى بيته مُرتجفاً من هول اللقاء، فهدّأته السيدة خديجة رضي الله عنها، وذهبت به

إلى ورقة بن نوفل، فأخبرهما أن الذي نزل عليه هو الناموس الذي أنزل على موسى، وأنه سيكون

نبي هذه الأمة.



الدعوة السرّية (ثلاث سنوات)

بدأت الدعوة إلى الإسلام سرّاً حفاظاً على سلامة المؤمنين. وكان البيت الذي احتضن الدعوة هو

بيت الأرقم بن أبي الأرقم، حيث اجتمع أوائل المسلمين: أبو بكر الصديق، علي بن أبي طالب،

خديجة رضي الله عنها، وزيد بن حارثة وغيرهم.


انتشر الإسلام ببطء لكنه انتشر في القلوب، فقد وجد الناس نوراً لم يعرفوه من قبل، وتعاليم

تدعو للعدل والمساواة.



الجهر بالدعوة ومواجهة قريش

بعد ثلاث سنوات نزل الأمر الإلهي: "فاصدع بما تؤمر". فصعد النبي ﷺ جبل الصفا، ودعا قريش

إلى الإسلام وترك عبادة الأصنام.


لكنّ قريشاً لم تتقبل هذه الرسالة، فبدأت مرحلة الإيذاء والتعذيب. عُذّب بلال، وضُرب عمّار

وأهله، ومُنع المسلمون من حقوقهم. ومع ذلك ظلّ النبي ﷺ ثابتاً، يحمل رسالة السماء بقلبٍ

من نور.



الهجرة إلى الحبشة: أول ملجأ للمسلمين

اشتدّ أذى المشركين حتى سمح النبي ﷺ لأصحابه بالهجرة إلى الحبشة، حيث كان يحكم ملك

عادل هو النجاشي. كانت الهجرة الأولى في الإسلام، ووجد المسلمون هناك الأمان والحرية.


قدّمت هذه الهجرة دروساً في الثبات والصبر، كما أثبتت أن الإسلام دين ينتشر بالحكمة لا

بالسيف.



عام الحزن والخروج إلى الطائف

فقد النبي ﷺ في عام واحد أعزّ اثنين: زوجته خديجة التي كانت رفيقته وسنده، وعمه أبو طالب

الذي كان يحميه من أذى قريش.


سُمّي هذا العام بـ "عام الحزن". وشعر النبي ﷺ بثقل الألم، فقرر الذهاب إلى الطائف للدعوة. لكنه

لم يجد منهم إلا السخرية ورمي الحجارة حتى سالت قدماه الشريفتان دماً.


رفع يديه إلى السماء وقال دعاءً خالداً:

"اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس…"


عاد النبي ﷺ إلى مكة، لكن قلبه كان قوياً. فالله لا يترك عبده.



رحلة الإسراء والمعراج

جاء الفرج بعد الألم، فأكرم الله نبيه ﷺ بـ الإسراء والمعراج. أُسرِي به ليلاً من المسجد الحرام إلى

المسجد الأقصى، ثم عُرج به إلى السموات العلى.

كانت هذه الرحلة تكريماً وتثبيتاً للنبي ﷺ، وفيها فُرضت الصلاة التي أصبحت عمود الدين.



بيعة العقبة… بداية التغيير

في موسم الحج، التقى النبي ﷺ مجموعة من الأنصار من أهل المدينة. سمعوا دعوته فأحبّوها،

وآمنوا بها. عادوا إلى قومهم يدعونهم إلى الإسلام حتى ازداد عدد المؤمنين من أهل المدينة.


ثمّ تمت بيعة العقبة الأولى والثانية حيث بايع الأنصار النبي ﷺ على النصرة والدفاع عنه. كانت

هذه البيعة بداية التحول الأكبر في التاريخ الإسلامي.



الهجرة النبوية إلى المدينة

بعد اشتداد أذى قريش، أذن الله للنبي ﷺ بالهجرة. خرج مع صاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه

متخفّيَين.


وفي الطريق اختبأ في غار ثور ثلاثة أيام، بينما كانت قريش تبحث عنه في كل مكان. وقف

المشركون عند باب الغار، فقال أبو بكر: "لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا". فقال النبي ﷺ:

"ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟"


كانت تلك الكلمات علاجاً للقلوب، ودليلاً على يقين النبي بالله.


بعد أيام وصل النبي ﷺ إلى المدينة حيث استُقبل استقبال الفاتحين، وبدأ نور الإسلام ينتشر

بقوة.



بناء المسجد النبوي والدولة الإسلامية

أول ما قام به النبي ﷺ عند وصوله كان بناء المسجد النبوي، الذي أصبح مركز العبادة، وإدارة

الدولة، والتعليم، والاجتماعات.


ثم عقد المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار ليذيب الفوارق الطبقية، ويؤسس مجتمعاً يقوم على

الإيمان، لا القبيلة.


كما وضع وثيقة المدينة التي تُعدّ أول دستور في التاريخ ينظّم العلاقات بين المسلمين واليهود

وسكان المدينة.



غزوات النبي ﷺ للدفاع عن الدعوة

لم يكن النبي ﷺ محباً للحرب، لكنها فُرضت على المسلمين للدفاع عن أنفسهم. ومن أبرز

المعارك:


غزوة بدر

أول معركة فاصلة بين الحق والباطل. رغم قلة عدد المسلمين، نصرهم الله نصراً عظيماً.


أحد

ابتُلي المسلمون بخطأ الرماة، فخسروا المعركة، لكنهم تعلموا من الدرس معنى الطاعة.


الخندق

معجزة صبر وثبات، حيث تعاون المسلمون لحفر الخندق والدفاع عن المدينة.


فتح مكة

اليوم الذي دخل فيه النبي ﷺ مكة منتصراً، لكنه دخلها متواضعاً وقال لأهلها:

"اذهبوا فأنتم الطلقاء"

فكان أعظم مثال للرحمة.



انتشار الإسلام في الجزيرة العربية

بعد فتح مكة، دخل الناس في دين الله أفواجاً. أرسل النبي ﷺ الدعاة إلى القبائل والملوك،

وانتشرت رسالة الإسلام في كل مكان.

أصبح المجتمع الإسلامي قوياً مبنياً على العدل، الإيمان، الرحمة، واحترام الآخرين.



حجة الوداع وخطبة الوداع

في السنة العاشرة للهجرة، حجّ النبي ﷺ حجته الوحيدة، وهناك ألقى خطبة الوداع التي تضمنت

أعظم المبادئ الإنسانية:


لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.


احفظوا حقوق النساء.


لا تأكلوا الربا.


اتركوا ما يثير الفتن والبغضاء.


تمسكوا بكتاب الله وسنة نبيه.


وانتهت الخطبة بآية عظيمة:

"اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً"



وفاة النبي ﷺ

بعد أيام قليلة من الحج، مرض النبي ﷺ. اشتد عليه المرض، لكنه ظلّ رحمة للعالمين حتى

اللحظة الأخيرة.


وفي يوم الاثنين، في بيت السيدة عائشة رضي الله عنها، توفي النبي ﷺ عن عمر ثلاث وستين

سنة، بعدما ترك للبشرية نوراً لا ينطفئ.


بكى الصحابة حزناً، لكن الإسلام الذي بناه نبي الرحمة بقي ينتشر في الآفاق.



خاتمة

كانت حياة النبي محمد ﷺ رحلة عظيمة في طريق الدعوة إلى الله، مليئة بالصبر والرحمة والأخلاق

النبوية. وما زالت السيرة النبوية مصدر إلهام لكل من يبحث عن القدوة والطريق الصحيح.


إرسال تعليق

0 تعليقات
إرسال تعليق (0)