في مساء هادئ يشبه تلك اللحظات التي تسبق المطر، جلس “آدم” قرب نافذة المقهى
المعتاد، يكتب في دفتره جملاً متقطعة لا تكتمل. كان كاتباً يبحث عن قصة، أو ربما كان قلبه
يبحث عن شيء آخر ضاع منه منذ زمن طويل.
ورغم أنّه نشر قصص حب وروايات قصيرة كثيرة، ظل يشعر أنّ الحكاية التي يبحث عنها لم
تُكتب بعد. شيء ناقص… شيء لا يعرفه حتى لحظة ظهورها.
كان المقهى مزدحماً كعادته، لكن كل شيء تغيّر عندما دلفت فتاة ترتدي وشاحاً يلوّن المكان
بجمال غير مألوف. توقّفت لثوانٍ تبحث عن طاولة، ثم التقت عيناها بعينيه… لحظة قصيرة،
لكنها كانت الشرارة الأولى التي ستصنع قصة حب تروى بين العشاق.
لم يفهم “آدم” ما الذي حدث. كل ما يعرفه أن قلبه قال له شيئاً واحداً:
"عينيها… هنا بدأت الحكاية."
لم يكتب هذه الجملة بعد، لكنه شعر بها تحرق أطراف أصابعه.
جلست الفتاة في الطاولة المقابلة. أخرجت كتاباً صغيراً وبدأت تقرأ، لكن “آدم” لاحظ أنها تعود
كل دقيقة لتتأكد من شيء ما حولها. ليست قلقة، بل مترددة… كأنها تهرب من العالم داخل
صفحات كتاب.
لم يستطع المقاومة، فاقترب وسألها بابتسامة لطيفة:
– هل يمكنني الجلوس هنا؟ المقهى مزدحم قليلاً.
رفعت رأسها، نظرت إليه للحظة أطول بقليل مما هو معتاد، ثم قالت:
– تفضل…
كان صوتها هادئاً، لكنه يملك موسيقى خفية، موسيقى جعلته يشعر أنّه سمعها قبل أن
يسمعها.
– أنا آدم…
– ليلى.
اسم بسيط، لكنه بدا له وكأنه أول بيت في قصيدة طويلة.
لاحظ أن الكتاب الذي تقرأه هو مجموعة قصص رومانسية، فقال ممازحاً:
– إذاً أنتِ من عشاق القصص!
– القصص أكثر صدقاً من البشر أحياناً.
وضحكت… ضحكة قصيرة لكنها ناعمة، جعلت قلبه يلتقط صورة صوتية لن ينساها.
وهكذا بدأت أول 10 دقائق من قصة ستصبح لاحقاً قصة حب حقيقية لا تشبه أي رواية قصيرة
كتبها من قبل.
بعد عدة لقاءات غير مخططة، أصبح وجود “ليلى” عادة جميلة في يوم “آدم”. كانت تظهر فجأة،
وتختفي فجأة، كأنها صفحة تتقلّب وحدها في كتاب مفتوح على الرياح.
كانت تقرأ كثيراً، وتتحدث قليلاً، لكنها حين تتحدث تقول ما يستحق أن يُكتب.
وفي مساء بارد، جلسا معاً قرب الطريق المؤدي للبحر.
كانت السماء تمطر خفيفاً، والمدينة تلمع كأنها ترتدي ثوباً من الضوء.
نظرت إليه “ليلى” وسألته:
– لماذا تكتب؟
تردّد قليلاً ثم قال:
– أكتب لأني أبحث عن نهاية سعيدة لم أعشها بعد.
ابتسمت… ابتسامة جعلته يدرك أنه قال الحقيقة دون أن ينتبه.
– وأنتِ؟ لماذا تقرئين كل هذا؟
أجابت بصوت منخفض:
– لأن الكتب تعلمني شيئاً واحداً… أن الحب الحقيقي لا يأتي كثيراً، لكنه حين يأتي يغيّر كل شيء.
سقطت الجملة بينهما كأنها اعتراف مختبئ تحت المطر.
اقترب منها وسألها بهدوء:
– هل جاءكِ الحب يوماً؟
لم تُجب… نظرت بعيداً، إلى البحر الذي لم يعد أزرق، بل صار مرآة رمادية تعكس خوفها.
لم يكن “آدم” يعرف الكثير عنها:
لا يعرف أين تسكن، ولا ما تحبه، ولا ما تكرهه. لكنه كان يعرف شيئاً واحداً:
أنه يشعر بشيء عميق تجاهها… شيء لم يشعر به في أي قصة حب كتبها.
ومع مرور الأيام، أصبح وجودها أشبه بنور يدخل من نافذة لا يُغلقها.
كانت تلهمه… تُعيد له شغفه بالكتابة… تجعله يكتب صفحات كاملة بخط يده، فقط لأنه يفكر في
عينيها.
وفي إحدى الأمسيات، قال لها:
– ليلى…
– نعم؟
– هناك شيء أريد قوله منذ يومنا الأول.
– ما هو؟
نظر إليها بجرأة لم يتوقع أن يجدها في نفسه:
– حين رأيت عينيك… بدأت الحكاية.
تجمدت للحظة، وكأن الزمن توقف ليرى ما سيحدث بعدها.
– آدم… لا تقل هذا.
– ولماذا؟
– لأن القصص الجميلة لا تدوم… وأنا لا أريد أن أكون خيبة جديدة في حياتك.
شعر وكأن يد خفية قبضت على قلبه.
لم يفهم… لماذا تخاف؟
لماذا تبدو كأنها تحمل شيئاً ثقيلاً لا تستطيع قوله؟
قال لها بحنان:
– أنا لا أبحث عن قصة قصيرة… أبحث عن حياة.
– وأنا أخشى أن أكون فصلاً حزيناً فيها.
كانت كلماتها مثل باب يُغلق، لكنه لا يغلق تماماً… يترك فجوة تكفي لعودة الضوء.
مرت أسابيع طويلة.
اختفت “ليلى” فجأة دون أن تترك أثراً أو رسالة.
وكل يوم كان “آدم” يعود إلى المقهى نفسه، يجلس في المكان نفسه، ينظر إلى الباب وينتظر
حضورها.
لكنها لم تأتِ.
كتب عشرات قصص الحب الحزينة عنها، لكنه كان يمزقها قبل أن يراها أحد.
لم يكن يريد قصصاً… كان يريدها هي.
وفي يومٍ شتوي، وبينما كان يغلق دفتراً جديداً دون نهاية، لمس كتفه أحدهم…
التفت بسرعة.
كانت “ليلى”.
وجهها شاحب قليلاً، لكن عينيها… عينيها ما زالت تحمل ذلك اللمعان الذي جعل الحكاية تبدأ.
وقف دون تفكير.
– ليلى!
– آسفة لأنني اختفيت…
– لماذا؟
– لأنني مريضة… وكنت أخشى أن يعرف أحد.
سقطت الجملة مثل حجر ضخم على صدره.
– مريضة؟
– نعم… ولم أردك أن تتعلق بي. كنت أهرب… لأحميك من الألم.
تقدم خطوة، أمسك يداها وقال بثبات لم تتوقعه:
– أنا لا أهرب من الحب… ولا من الألم. إذا كان عليكِ أن تخوضي هذه المعركة، فسأخوضها
معكِ.
– آدم…
– لا تقولي لا. منذ أول يوم… كان قلبي يعرف أنكِ لست فصلاً عابراً… أنتِ القصة كلها.
انفجرت دموعها… لكنها لم تكن دموع ضعف، بل دموع حب حقيقي.
تغيّرت أيامهما بعد ذلك.
صارا يقضيان الوقت في العلاج، في المشي الخفيف، في قراءة الكتب، في الكتابة.
كانت “ليلى” تضع رأسها على كتفه وتقرأ معه قصص العشاق، وتقول له:
– ربما نصبح قصة حب يقرؤها الناس يوماً ما.
– نحن بالفعل قصة… قصة اسمها "حين قال عينيك… بدأت الحكاية."
وبينما كانت تتعافى ببطء، كان هو يكتب عنها رواية كاملة، رواية ليست حزينة بل مليئة بالأمل.
كان يقول لها دائماً:
– لا يوجد مرض أقوى من قلبين يحبان بعضهما.
مرت الشهور…
تعافت “ليلى”، وعاد نور وجهها يزداد يوماً بعد يوم.
وفي مساء ربيعي جميل، حيث تتفتح الأزهار وتغني الطيور، أخذها “آدم” إلى المكان قرب البحر
حيث جلسا أول مرة.
قال لها:
– ليلى… أتذكرين عندما سألتني لماذا أكتب؟
– نعم… قلت إنك تبحث عن نهاية سعيدة.
– وجدتها.
– أين؟
– أمامي الآن… فيكِ أنتِ.
فتح علبة صغيرة…
خاتم بسيط، لكنه يلمع بذات اللمعان الموجود في عينيها يوم عرفها.
قال بصوت مرتجف لكنه واثق:
– هل تكملين معي الحكاية؟
– نعم… نعم يا آدم.
وهكذا لم تعد القصة مجرد رواية قصيرة أو قصة حب رومانسية، بل أصبحت حياة كاملة، حياة
بدأت بنظرة واحدة… نظرة قالت كل شيء قبل أن يُقال.


