لم يكن “سامر” يعلم أن حياته ستتغير بالكامل منذ اللحظة التي عثر فيها على ذلك الصندوق
الخشبي القديم في مخزن منزل جده. كان صندوقاً صغيراً، محفوراً عليه نقش غريب يشبه عيناً
مفتوحة تتوسط دوائر متشابكة. ما لفت انتباهه أكثر هو تلك الجملة المحفورة أسفل
الصندوق: “لا تفتح… مهما حدث.”
كان الفضول دائماً نقطة ضعف سامر، لكنه في تلك اللحظة تجاهل الخطر. ظنّ أن الصندوق
مجرد قطعة أثرية قديمة لا قيمة لها، وربما يعود تاريخها إلى زمن أجداده. كان يحب جمع
الأشياء الغريبة، واعتقد أنه وجد شيئاً مميزاً لإضافته إلى مجموعته.
لكن ما لم يكن يعرفه… هو أن هذا الصندوق لا يُشبه أي صندوق آخر.
البداية: الليلة الأولى
في تلك الليلة، وضع سامر الصندوق على طاولة قرب سريره. كان خفيفاً جداً، حتى إنه رفعه بيد
واحدة بسهولة. لكنه شعر بشيء غريب… إحساس خفيف يشبه نبضاً ضعيفاً يأتي من داخل
الصندوق. تجاهل الأمر واعتقد أن الأمر مجرد توهم بسبب التعب.
نام سامر وهو يشعر بشيء غير مريح، وكأن غرفة نومه أصبحت أضيق وأثقل… وكأن هواءها لم
يعد كالسابق.
وفي منتصف الليل، استيقظ سامر على صوت خافت… صوت يشبه نزول شيء على الأرض
ببطء. فتح عينيه بصعوبة، وبحث بعينيه في العتمة. رأى الصندوق، لكنه بدا مختلفاً قليلاً.
اقترب منه ورفعه بيده، فشعر بشيء لم يتوقعه…
الصندوق أصبح أثقل.
ظنّ أنه تخيّل. كان الأمر سخيفاً، فهو يعرف الوزن جيداً عندما حمله أول مرة. لكن الآن يحتاج
جهداً ليرفعه.
أعاد الصندوق مكانه وقال لنفسه:
"مجرد أوهام… ربما كنت متعباً."
لكنه لم يكن يتخيل.
الليلة الثانية: ازدياد الوزن… وشيء آخر
في اليوم التالي، ذهب سامر إلى عمله وهو يشعر بتوتر لا يعرف سببه. طوال اليوم، كان يفكر في
الصندوق، ويحاول إقناع نفسه أن الأمر طبيعي. ربما تغيّر الوزن بسبب الرطوبة، أو ربما كان
تقديره الأول خاطئاً.
لكن عندما عاد إلى المنزل بعد غروب الشمس، لاحظ شيئاً مخيفاً.
الصندوق لم يعد على الطاولة.
كان على الأرض… وكأنه تحرّك من تلقاء نفسه. لم يكن هناك أحد في المنزل غيره، ولم يلمسه
منذ الصباح. تقدم إليه ببطء، شعر ببرودة غريبة تنبعث منه.
مد يده… ورفعه.
الصندوق أصبح أثقل من الليلة الأولى بكثير.
لم يعد يستطيع رفعه بيد واحدة. احتاج كل قوّته ليضعه فوق الطاولة مرة أخرى.
بدأ القلق يتسلل إلى قلبه. ما الذي يوجد داخل هذا الشيء؟ لماذا يزداد وزنه؟ ولماذا يتحرك من
تلقاء نفسه؟
قرر أن يفعل شيئاً خطيراً…
أن يفتحه.
لكنّه تردد. تذكّر التحذير المحفور:
“لا تفتح… مهما حدث.”
وفي تلك الليلة… عرف لماذا حذّره النقش.
الليلة الثالثة: الأصوات
كان سامر نائماً حين سمع طرقاً… طرقاً خفيفاً يأتي من جهة الصندوق. جلس مفزوعاً، يتصبب
عرقاً، والطرق يزداد وضوحاً:
طَق… طَق… طَق…
كأن شيئاً داخل الصندوق يحاول الخروج.
اقترب منه بخوف. هذه المرة لم يلمسه، بل اكتفى بالنظر إليه. كانت الأعين المحفورة على
الخشب تبدو أكثر عمقاً… وكأنها أصبحت حقيقية.
لكنه عرف أن شيئاً واحداً أصبح مؤكداً…
الشيء في الداخل يزداد ثقلاً… لأنه ينمو.
حاول سامر تجاهل الأمر، لكنه لم يستطع النوم حتى الفجر. ظل يسمع نفس الطرق، ونفس
الهمسات الغامضة التي لم يستطع تمييز كلماتها.
كان الصوت يشبه لغة غير بشرية… نبرة بطيئة، عميقة، وكأنها تأتي من قبو مظلم تحت الأرض.
اليوم الرابع: محاولة التخلص من الصندوق
في صباح اليوم التالي، أخذ سامر الصندوق ووضعه في سيارته. لم يعد يحتمل وجوده في
المنزل. قرر أن يرميه بعيداً، في أي مكان، فقط ليتخلص منه.
قاد السيارة نحو منطقة مهجورة خارج المدينة. المكان كان واسعاً وخالياً تماماً. وضع الصندوق
على الأرض، تنفّس بعمق، ثم ركض نحو السيارة ليرحل.
لكن قبل أن يدخل السيارة… سمع الصوت.
طَق… طَق… طَق…
التفت خلفه ببطء…
رأى الصندوق يتحرك قليلاً.
عاد خائفاً، ومد يده لرفعه، ووجد شيئاً لا يُصدق:
الصندوق أصبح ثقيلاً لدرجة أنه انغرس في الأرض.
لم يعد يستطيع تحريكه أبداً.
ركض نحو السيارة وغادر المكان بأسرع ما يمكن. حاول نسيان الصندوق نهائياً، لكنه لم يكن
يعلم أن القصة لم تنتهِ هنا…
بل بدأت.
الليلة الخامسة: عودة الصندوق
عاد سامر إلى منزله مرهقاً. كان يشعر بصداع قوي وبقلق متزايد. لكنه أراد أن يصدّق أن
الصندوق قد اختفى من حياته.
لكن ما إن دخل غرفة نومه… حتى تجمّد مكانه.
الصندوق كان هناك.
موضوعاً على نفس الطاولة… وكأنه لم يغادر المكان أبداً.
بدأ قلب سامر يخفق بسرعة. لم يعد يستطيع التفكير بشكل طبيعي. أخذ هاتفه ليصور ما
يحدث، لكنه سمع صوتاً خرج من خلفه:
هممم… هممم…
استدار فجأة، لم يجد أحداً. لكن الصوت استمر، يقترب أكثر… وأكثر…
عاد ينظر للصندوق، فوجده يتحرك قليلاً… كأن شيئاً يضغط من الداخل على الخشب.
في تلك اللحظة، أدرك سامر أن الصندوق لن يتركه… وأنه لم يعد مجرد جسم يتغير وزنه.
بل أصبح كياناً حيّاً.
الليلة السادسة: الفتح
لم يعد يستطيع التحمل. قرر أن يفتحه مهما كانت النتيجة. ذهب إلى المطبخ وأحضر سكيناً كبيرة، وبدأ يحاول كسر القفل الحديدي.
وما إن ضرب السكين على القفل… حتى سمع صرخة عالية من داخل الصندوق.
ابتعد وهو يصرخ، سقط أرضاً، وارتطم رأسه بالطاولة. شعر بدوار، لكنه نهض بصعوبة وهو
يحدق بالصندوق.
القفل انكسر.
الصندوق فتح ببطء… من تلقاء نفسه.
ارتفع الغطاء ببطء شديد، وبدأ هواء بارد يخرج من الداخل… رائحة عفن قديم، ورائحة موت.
نظر سامر داخل الصندوق…
وتجمّدت عيناه.
لم يكن هناك شيء ملموس… لا جسم… لا مخلوق… لا أي كائن.
لكن ما كان موجوداً… كان أسوأ بكثير:
ظلام يتحرك.
ظلّ أسود يشبه دخاناً كثيفاً، يلتف ببطء… ثم يرتفع للأعلى. بدأ يقترب من وجه سامر، ثم التف
حوله.
شعر سامر بقوة هائلة تضغط على صدره… كأن شيئاً يجثم فوق قلبه. سقط على الأرض وهو
يصرخ، لكن صوته لم يخرج.
الظلّ كان يدخل جسده… يتسرب داخله.
اليوم الأخير: النهاية
استيقظ سامر في الصباح على الأرض. كان يشعر بإرهاق شديد وكأنه لم ينم منذ سنوات.
نهض بصعوبة، ونظر إلى الصندوق المفتوح…
كان فارغاً.
لكن الشيء الحقيقي لم يكن داخله بعد الآن…
كان داخله هو.
شيء ما تغيّر. لم يعد يشعر بنفسه. كان يسمع همسات داخل رأسه… كلمات غير مفهومة،
لكنها تتحكم بعقله. حاول الوقوف، لكن قدميه كانت ثقيلة… ثقيلة جداً.
كأن الصندوق… أصبح هو.
أصبح يشعر بجسد يتضخم من الداخل، بأطراف تثقل، بقلب ينبض بقوة غير بشرية. رأى في
المرآة انعكاسه…
لكن عينيه لم تعودا بشريتين. أصبحت سوداء بالكامل، خالية من أي بياض.
ومنذ ذلك اليوم… اختفى سامر.
وعندما دخلت الشرطة منزله بعد أيام، وجدوا الصندوق على طاولة غرفته…
مغلقاً بإحكام.
وعليه نقش جديد:
“الآن… دورك.”


