هناك قصص غريبة وعجيبة يظن الناس أنها مجرد خيال، لكن بعضها يترك أثراً لا يمكن
نسيانه… قصة اليوم تبدأ برسالة وصلت في منتصف الليل، تحمل اسماً كان من المفترض أنه
رحل عن هذا العالم منذ سنوات طويلة. هذه القصة ليست مجرد سرد مخيف، بل لغز يختبر
العقل، ويجعل القارئ يتساءل: كيف يمكن لشيء ميت أن يعود؟ وكيف يمكن لرسالة أن تُغيّر
حياة إنسان بالكامل؟
بداية القصة
كان “سامي” يعمل كاتباً في دار نشر صغيرة، يعيش حياة هادئة، روتينية، لا جديد فيها سوى
أصوات صفحات الكتب التي يقلبها طوال النهار. في إحدى الليالي، وبينما كان يجلس أمام
حاسوبه يعدّل مقالة جديدة حول “الظواهر الغريبة”، ارتفع صوت إشعار البريد الإلكتروني.
نظر سامي نحو الشاشة متضايقاً… فقد كان الوقت متأخراً، والكل يعلم أن لا أحد يرسل رسائل
عند الساعة 12:47 بعد منتصف الليل.
لكن المفاجأة لم تكن في التوقيت… بل في اسم المرسل.
كان المرسل: "يوسف العتيبي"
صديقه الذي… توفي قبل 7 سنوات.
تجمدت أصابع سامي فوق لوحة المفاتيح. حاول إقناع نفسه بأن الخطأ محتمل، ربما شخص
آخر يحمل نفس الاسم، ربما بريد مقلّد… لكن العنوان كان ذاته، نفس البريد الذي حضر جنازة
صاحبه وهو يعرف جيداً أنه كان مغلقاً منذ وفاة يوسف.
ضغط على الرسالة.
الرسالة الأولى
كان نص الرسالة قصيراً، لكنه هزّ كيانه:
"سامي… لا تتجاهل هذه الرسالة. الوقت يضيق. أنت الوحيد الذي يمكنه إنهاء ما بدأته أنا.
سأرسل لك التفاصيل لاحقاً. فقط… لا تذهب إلى البيت القديم."
لم يفهم سامي شيئاً. البيت القديم؟ بيت يوسف؟
ذلك البيت الذي هُجر بعد موته، والذي قيل إنه أصبح مسكوناً؟
ذلك المنزل الذي انتشرت حوله الشائعات؟
لم يكن سامي قد زاره منذ سنوات، ولم يكن ينوي ذلك.
لكن شيء واحد كان واضحاً:
هذه الرسالة يعرف تفاصيلها شخص واحد فقط… يوسف نفسه.
موجة الذكريات
بدأت ذكريات الماضي تتدفق في ذهن سامي.
كان يوسف من هواة التحقيق في الظواهر الغامضة. يزور البيوت المهجورة، يبحث في قصص
الجن، الأرواح، الظلال… إلى أن جاء اليوم الذي وجدوه فيه جثة بلا علامات، بلا سبب. تقرير الطب
الشرعي قال: "توقف القلب بشكل مفاجئ."
لكن سامي كان يعرف…
يوسف كان قبل وفاته بأيام يخبره عن "شيء" اكتشفه، شيء لم يكمل كلامه حوله.
قال له آخر مرة:
"لو اختفيت فجأة… لا تذهب إلى البيت القديم. سيحاولون إحضارك إلى هناك."
من “هم”؟ لم يكن سامي يعرف… ولم يجرؤ على السؤال.
رسالة ثانية بعد 5 دقائق
بقي سامي يحدق في الشاشة، وقبل أن يلتقط أنفاسه… ظهرت رسالة جديدة.
"سامي، سيبدو كل شيء غير منطقي، لكن عليك أن تثق بي. الغرفة السفلى في البيت القديم لم
تُغلق عبثاً. هناك صندوق… لا تفتحه مهما حدث."
تسارعت دقات قلبه.
من يكتب؟ ولماذا بهذه الدقة؟
ومن يعرف قصة الغرفة السفلى؟
يوسف وحده من اكتشفها قبيل وفاته.
قرار المواجهة
لم يستطع سامي النوم. بقي طوال الليل يفكّر.
هل تجاهل الرسائل؟ هل يخبر الشرطة؟ هل يخبر عائلة يوسف؟
لكن شيئاً داخله كان يدفعه نحو البيت القديم…
ليس تحدياً للرسالة، بل لأن الخوف الحقيقي لم يكن من الذهاب هناك…
بل من عدم معرفة الحقيقة.
وفي صباح اليوم التالي، وقف سامي أمام الباب المتهالك لمنزل يوسف.
المنزل الذي توقف فيه الزمن
كان المنزل كما تركوه منذ سبع سنوات.
الغبار، الأثاث القديم، رائحة الرطوبة…
لكن أكثر ما أربكه:
الباب كان مفتوحاً قليلاً، كأن شخصاً دخله قبل دقائق.
دخل سامي بخطوات مترددة.
كل شيء كما يتذكره، حتى الطاولة التي كسرت في آخر زيارة له مع يوسف.
ثم لمح شيئاً مرسوماً على الحائط بخط أسود:
سهم يشير إلى الأسفل.
إلى الغرفة السفلى.
الغرفة التي منعته الرسالة من دخولها…
ومع ذلك… كان عليه أن يعرف.
نزول إلى المجهول
فتح باب الغرفة السفلى، فصدر منه صوت صرير حادّ، كأن الباب يحتجّ على فتحه بعد كل هذه
السنوات.
السلم كان مظلماً، لكن الضوء الخافت من هاتفه سمح له بالرؤية.
كل خطوة للأسفل كانت ثقيلة، وكأن الأرض تحاول سحبه إلى الخلف.
حين وصل إلى نهاية الدرج، رأى الغرفة الضيقة التي كان يوسف يصفها دائماً بأنها “أكثر مكان غير مريح رآه”.
لكن الشيء الذي لفت انتباهه كان الصندوق.
صندوق خشبي قديم، عليه قفل معدني، وفي أعلى الصندوق كلمات محفورة:
"إن فتحته… لن يرجع شيء كما كان."
صوت في الظلام
قبل أن يقترب، سمع سامي صوت حركة خلفه.
التفت بسرعة… ولا أحد هناك.
لكن الهواء تغيّر.
صار أثقل. أبرد.
كأن أحدهم واقف على بعد سنتيمترات منه.
ثم جاء صوت خافت… همس بالكاد يُسمع:
"سامي… لا."
كان صوت يوسف.
نفس النبرة.
نفس الطريقة التي يناديه بها.
تراجع سامي خطوة للخلف، وشعر أن قلبه يريد الخروج من صدره.
لماذا هذه الرسائل؟
بدأ يجمع أجزاء اللغز.
يوسف ترك شيئاً غير مكتمل.
شيئاً أراد إخفاءه في هذه الغرفة.
شيئاً لا يجب لأحد أن يراه.
لكن من يرسل الرسائل الآن؟
روح يوسف؟
أحد يعبث؟
أم أن هناك ما هو أسوأ…؟
فتح الصندوق… رغم التحذيرات
هنا حدث شيء غريب…
على الرغم من الخوف… شعر سامي بأن الصندوق “يدعوه”.
شيء ما بداخله يريد الخروج.
اقترب ووضع يده على القفل.
كان دافئاً بشكل غير طبيعي… كأن الصندوق حيّ.
ثم جاء صوت الإشعار.
نعم… إشعار بريد إلكتروني.
فتح سامي هاتفه:
رسالة جديدة من يوسف.
"إذا فتحت الصندوق… لن أستطيع حمايتك."
لكن الفضول أقوى من الخوف…
ورجف أصابعه وهو يفتح القفل.
ما كان داخل الصندوق
لم يجد ذهباً، ولا وثائق سرية، ولا شيء خارق للطبيعة…
كان هناك دفتر صغير فقط.
دفتر بني مُهترئ، صفحاته مصفرة، لكن ما فيه كان مرعباً.
كان الدفتر يحوي مذكرات يوسف في أيامه الأخيرة.
كان يكتب فيها عن:
أصوات يسمعها ليلاً
ظلّ يتبعه في كل مكان
شيء يحاول التواصل معه
محاولات لطرده أو إبعاده
وفي الصفحة الأخيرة…
مكتوب بخط مرتجف:
"سامي… إن قرأت هذا، فاعرف أنني لم أمت موتاً طبيعياً. لقد حاولت إخفاء الشيء الذي وجدته…
لكنه ما يزال هنا. سيبحث عنك كما بحث عني. لا تتركه يدخل حياتك. اهرب… قبل فوات الأوان."
ثم تحت السطر: بصمة يد سوداء صغيرة.
ليست حبر…
شيء آخر.
عودة الهمس
بينما كان سامي يقرأ آخر سطر…
سمع الصوت مجدداً:
"لقد تأخرت…"
هذه المرة كان الصوت خلفه تماماً.
حقيقي.
دافئ.
كأن شخصاً يقف على بعد سانتي متر من أذنه.
التفت بسرعة…
لكن الظلام كان ثقيلاً جداً.
ومع ذلك… لمح “ظلاً” يتحرك في زاوية الغرفة.
الهروب
ركض سامي خارج الغرفة، يصعد الدرج بسرعة مجنونة.
لكنه سمع خطوات خلفه، خطوات ثقيلة، كأن كائناً ضخماً يصعد السلم خلفه.
عندما خرج من المنزل، شعر فجأة بأن الهواء عاد لطبيعته.
وكأن شيئاً كان يلاحقه توقف عند عتبة الباب.
الرسالة الأخيرة
عندما وصل إلى سيارته، وصدره يعلو وينخفض من الرعب…
وصلته رسالة أخرى.
فتحها وهو يرتجف.
"سامي… لم أستطع منعه. لقد وجدك الآن. صداقتنا كانت سبب نجاتي… لكن قد تكون سبب نهايتك."
ثم بعدها مباشرة رسالة قصيرة جداً:
"لا تنم الليلة."
الخاتمة
عاد سامي إلى منزله، لكنه لم ينم…
ولم يعد يكتب عن الظواهر الغريبة.
لكنه ما يزال يتلقى كل عدة أسابيع رسالة جديدة…
جميعها من بريد يوسف…
وآخر رسالة وصلت قبل أيام قالت:
"سامي… الصندوق لم يكن البداية… فقط افتح الباب عندما تسمع الطرق. إنه ليس وحده."
وهنا أدرك سامي أن القصة لم تنتهِ…
بل بدأت الآن فقط.


