كان الليل بارداً بشكل غير معتاد، رغم أنّه منتصف الصيف. الهواء في القرية الصغيرة بدا وكأنه
يحمل سرّاً قديماً يرفض أن يُفصح عنه. وفي منزل خشبي قديم يقع عند أطراف القرية، بدأت
الحكاية التي ظلّ الناس يتهامسون بها لسنوات… حكاية الدمية التي تفتح عينيها بعد منتصف
الليل.
البداية: هدية غير متوقعة
كانت مريم فتاة في الخامسة عشرة، هادئة ومحبّة للكتب. في يوم ميلادها، جاءت خالتها زينب
من المدينة تحمل صندوقاً مزخرفاً بعناية. ابتسمت قائلة:
«هذه هدية قديمة من متجر قطع أثرية… عندما رأيتها شعرت بأنها تنادي اسمك.»
فتحت مريم الصندوق بفضول.
كانت هناك دمية بورسلان جميلة بوجه شاحب، وعينين زجاجيتين لونهما أزرق بارد. كانت ترتدي
ثوباً قديماً أشبه بملابس القرن التاسع عشر. الدمية كانت جميلة… ولكن شيئاً ما فيها لم يكن
مريحاً.
سألت مريم بخفوت:
«هل هي… مستعملة؟»
ضحكت خالتها:
«بالطبع! إنها قديمة ونادرة. احتفظي بها جيداً، ربما تكون ذات قيمة كبيرة.»
لم تكن خالتها تعلم أنّ الجملة الأخيرة كانت حقيقية… ولكن بطريقة لم تتوقعها أبداً.
أول ليلة… أول همسة
وضعت مريم الدمية على رف خشبي مقابل سريرها. كانت تنظر إليها بنظرة غريبة، كأنها تتابع
كل حركة في الغرفة.
في تلك الليلة، وبعد أن وضعت رأسها على الوسادة، سمعت مريم صوتاً خافتاً يشبه الهمس…
لم تتأكد إن كان حقيقة أم مجرد تخيّل من التعب.
همسٌ خفيف… غير مفهوم… كأنه يأتي من زاوية الغرفة.
فتحت عينيها بسرعة، ونظرت نحو الرف.
الدمية كانت في مكانها، تنظر نحوها بثبات.
قالت لنفسها:
«إنه مجرد خيال.»
لكنها لم تكن تعلم أنّ هذه كانت البداية فقط.
منتصف الليل… اللحظة التي تغيّر كل شيء
في الساعة 12:03 بعد منتصف الليل، استيقظت مريم فجأة دون سبب واضح. كان القلب ينبض
بقوّة، والهواء بارد كأنه قادم من تحت الأرض.
نظرت لا إرادياً نحو الرف…
وتجمّد الدم في عروقها.
عينا الدمية كانتا مفتوحتين.
لكن… ألم تكن الدمية تغلق عينيها؟
تأكدت مريم أنها حين وضعتها على الرف كانت مغمضة العينين، مثل أغلب دمى البورسلان
القديمة.
تمتمت بخفوت:
«مستحيل…»
نهضت من السرير، اقتربت من الرف، لمست الدمية فتأكدت أن جفونها ثقيلة ولا يمكن أن تفتح
وحدها. ومع ذلك… كانت مفتوحة الآن.
أعادت مريم إغلاق عيني الدمية بيدها المرتجفة.
لكن حين ابتعدت خطوتين فقط… سمعتها تُفتح من جديد.
فتجمدت مكانها.
لم تجرؤ على الالتفات.
لم تجرؤ على التنفّس.
كان هذا أول ليلة ترى فيها الدمية تفتح عينيها بعد منتصف الليل…
لكنه لم يكن الأخير.
الأحداث تتصاعد
منذ تلك الليلة، بدأت أشياء غريبة تحدث في منزل مريم:
باب غرفتها يُفتح وحده.
خطوات خفيفة تُسمع ليلاً.
أشياء تتحرك من أماكنها.
لكن الأمر الذي كانت تخشاه أكثر هو الدمية نفسها.
كل ليلة… عند نفس الساعة… كانت تفتح عينيها.
ومع مرور الأيام، بدأت مريم تشعر بأن الدمية تتحرك قليلاً. مرة تميل رأسها. مرة يتغير اتجاه
نظراتها. وأحياناً… تختفي من مكانها لتظهر في زاوية أخرى من الغرفة.
في إحدى الليالي، وجدت الدمية على وسادتها.
لم تعد تستطيع تجاهلها أكثر.
البحث عن الحقيقة
قررت مريم البحث عن أصل هذه الدمية. ذهبت إلى خالتها زينب وسألتها بجدية:
«من أين اشتريتها بالضبط؟»
ارتبكت زينب قليلاً ثم قالت:
«من متجر قديم… مالكه رجل غريب، لم أرَ مثله من قبل. أصرّ على بيعها بثمن رخيص جداً وقال:
لتذهب لمن تختارها هي…»
تجمدت مريم:
«ماذا تقصدين: تختارها هي؟»
أجابت خالتها بأنها لم تفهم ما قاله، وظنت أنه يمزح.
لكن مريم لم تكن تضحك.
لقد شعرت بأن الدمية اختارتها فعلاً.
ذهبت مع خالتها إلى المتجر، لكن المفاجأة كانت صادمة…
المتجر مغلق منذ سنوات طويلة.
والناس في المنطقة أكدوا أن صاحبه اختفى، وترك خلفه سمعة سيئة:
كان يبيع أغراضاً «مسكونة»، وفق شائعات قديمة.
الرسائل على الجدار
ليلة ذلك اليوم، وبينما كانت مريم تحاول النوم، سمعت صوت خدش على الجدار.
كان الصوت قريباً… قريباً جداً من سريرها.
حين اقتربت ببطء، لم تجد شيئاً… سوى كلمة واحدة مكتوبة بخدوش طويلة:
أنا هنا
ارتجفت.
من كتبها؟
كانت وحدها في الغرفة… أو هكذا ظنت.
نظرت إلى مكان الدمية…
الرف فارغ.
تسارعت أنفاسها، وبدأت تمسح الغرفة بنظرها.
وفجأة… ظهر شيء صغير خلف الباب.
كانت الدمية تقف على الأرض، رأسها مائل، وعيناها مفتوحتان على اتساعهما، تحدّقان مباشرة
في مريم.
لم تعد تستطيع الصراخ.
لم يعد صوتها يخرج.
الحقيقة المدفونة
بعد هذه الحادثة، بدأت مريم تبحث في الإنترنت عن قصص مشابهة. قرأت عن «لعنة الدمى
القديمة»، وعن أرواح الأطفال العالقة، وعن دمى تتحرك ليلاً.
لكنها وجدت معلومة أربكتها بشدة:
كان هناك طفل صغير يدعى ليلى اختفى قبل أكثر من خمسين عاماً. آخر صورة لها كانت وهي
تحمل دمية تشبه تماماً الدمية التي تمتلكها مريم.
قيل إن الطفلة ماتت بطريقة غامضة، وإن روحها تتعلق بالدمى منذ ذلك الحين.
مريم قالت لنفسها:
«هل يمكن أن تكون هذه… نفسها؟»
الليلة الأخيرة
في تلك الليلة، لم تستطع النوم. جلست على سريرها تنظر للدمية التي وضعتها داخل صندوق
مغلق جيداً.
لكن عند منتصف الليل تماماً… بدأ الصندوق يهتزّ.
ببطء…
وبثبات…
كأنه شيء يحاول الخروج منه.
ثم توقف.
ساد الصمت…
ثم سُمِع صوت من داخل الصندوق:
"أريد أن ألعب…"
انهارت مريم بالبكاء وهي تتراجع للخلف.
وقبل أن تتمكن من الهرب…
انفتح الصندوق بقوة.
خرجت يد صغيرة بيضاء… ثم خرجت الدمية كاملة.
لكن شيئاً ما تغيّر.
مظهرها لم يعد نفسه.
عيناها أصبحتا سوداوان بالكامل، وابتسامة غريبة شقّت وجهها.
قالت بصوت طفلة:
"أبقيني… معك… للأبد…"
محاولة الهرب
ركضت مريم نحو الباب، لكن الدمية كانت دائماً تسبقها بطريقة غير طبيعية، تظهر أمامها،
تحجب الطريق، وتكرر:
"أبقيني… معك…"
أمسكت مريم ببطانية، وضعتها على الدمية وحاولت الهرب، لكن الباب لم يُفتح مهما حاولت.
كانت كأن قوة خفية تمنعه.
ثم شعرت بشيء يمسك قدمها.
التفتت…
الدمية تمسك بها بقوة غير بشرية.
صرخت مريم لأول مرة منذ بداية الأحداث.
صرخت حتى كاد صوتها ينقطع.
النهاية المفتوحة
في صباح اليوم التالي، دخلت الأم غرفة مريم بعد أن شعرت بغيابها الطويل.
الغرفة كانت فوضى…
الجدار مليء بالخدوش…
والنافذة مفتوحة.
لكن الشيء الأكثر رعباً…
كان هناك صندوق صغير على السرير، مفتوحاً.
وفي داخله…
كانت الدمية وحدها.
عيونها مغلقة…
كأن شيئاً لم يحدث قط.
أما مريم… فقد اختفت.
اختفت كما اختفت الطفلة ليلى قبل خمسين عاماً.
ومنذ ذلك اليوم، تقول أم مريم إنها كل ليلة تسمع صوت ابنتها تأتي من الغرفة الفارغة:
"ماما… هي لا تدعني أخرج…"
وتظل الدمية على الرف…
ساكنة…
هادئة…
حتى منتصف الليل.
حينها فقط…
تفتح عينيها.

.png)
