الخزانة التي تختفي فيها الأشياء… وتعود بشكل مختلف

ArabStories
0






في إحدى الليالي الباردة من شهر نوفمبر، كانت ليلى تجلس في غرفتها الصغيرة المطلة على

الحديقة الخلفية لمنزل عائلتها القديم. ذلك المنزل الذي ورثته من جدتها والذي طالما سمعت

عنه قصصًا غريبة. لكن ليلى لم تكن تؤمن بالخرافات، ولم تكن تتوقع أن تصبح هي نفسها جزءًا

من قصة مرعبة ستغير حياتها إلى الأبد.


كانت الغرفة بسيطة، لكن أكثر ما كان يلفت الانتباه فيها هو خزانة خشبية عتيقة، كبيرة الحجم،

وداكنة اللون، ذات نقوش غير مألوفة على أبوابها. قيل إن الخزانة جاءت من بيت قديم في

“سيدي مكرود”، وأنها كانت ملكًا لرجل فقد عقله قبل سنوات. لكن بالنسبة لليلى، فهي مجرد

قطعة أثاث قديمة.


في ذلك المساء، وبينما كانت ترتب أغراضها بعد انتقالها الجديد إلى المنزل، لاحظت شيئًا غريبًا:

أن بعض الأشياء الصغيرة التي كانت تضعها فوق الخزانة… تختفي.


ظنت في البداية أنها أخطأت المكان، أو ربما سقط شيء خلف الخزانة، لكنها اكتشفت سريعًا

أن هذا ليس صحيحًا. وضعت مشطًا أسود فوق الخزانة، وعادت بعد دقائق لتجده قد اختفى

تمامًا. بحثت في كل مكان، بلا جدوى.


لم تشأ أن تقلق، لكنها فكرت في تجربة بسيطة… وضعت ورقة صغيرة مكتوب عليها اسمها:

“ليلى”

ثم تقدمت خطوة للوراء.


مرت دقيقة… دقيقتان… ثلاث.


وعندما عادت لتنظر، اختفت الورقة.


شعرت بقشعريرة واضحة تسري في عمودها الفقري. حاولت إقناع نفسها أن الأمر ربما مجرد

خداع بصري، لكن ما حدث بعدها… كان كفيلًا بأن يجعل قلبها يرتجف رعبًا.


بعد ساعة، وبينما كانت تستعد للنوم، سمعت صوت شيء يسقط على الأرض. التفتت فجأة

لترى ورقة صغيرة تسقط أمام الخزانة. اقتربت بخطوات مترددة… ثم التقطتها.


كانت نفس الورقة التي وضعتها فوق الخزانة.


لكن ما كتب عليها لم يكن اسمها.


كانت مكتوبًا عليها بخط أسود متعرج:


"أنت التالية…"


ارتجفت يداها، وسقطت الورقة من أصابعها. كيف تغيّر الخط؟ من كتب ذلك؟ وما معنى "أنت

التالية"؟


لم تستطع النوم تلك الليلة. وظلت تحدق في الخزانة كأنها تنتظر شيئًا يخرج منها.


في الصباح التالي، حاولت تجاهل ما حدث، وقررت اختبار الخزانة مجددًا. وضعت سوارًا فضّيًا لها

داخل الخزانة نفسها. أغلقت الباب جيدًا، ثم انتظرت.


مرّت عشر دقائق…


فتحت الباب.


كان السوار موجودًا… لكنه لم يعد كما كان.


كان ملتويًا، مشوّهًا، كأن قوة ما ضغطت عليه بقسوة.


هنا بدأت ليلى تشعر أن الخزانة ليست مجرد قطعة أثاث. كانت شيئًا آخر… شيئًا حيًا ربما، أو كيانًا

يعيش داخلها ويعبث بالأشياء.


بحثت على الإنترنت عن الخزانات المسكونة، الأشياء التي تعود بشكل مختلف، الظواهر الغريبة…

وظهرت أمامها كلمات مفتاحية تتكرر مثل:


الخزانة المسكونة


الأشياء تختفي وتعود


قصص رعب حقيقية


ظواهر غامضة في المنازل القديمة


لكنها وجدت شيئًا واحدًا تكرر في عدة مواقع:

"إذا اختفت الأشياء وعادت بشكل مختلف… فليس هناك شيء يبحث عنك. بل هناك شيء

يحاول رسم حدودك."


لم تفهم الجملة، لكنها حفرت في قلبها خوفًا حقيقيًا.


مع مرور الأيام، بدأت الأشياء في غرفتها تختفي دون أن تلمس الخزانة. ملابس، فرشاة شعر،

دمية صغيرة… كلها كانت تختفي ليوم أو يومين، ثم تعود بشكل غريب:


قطعة ملابس ممزقة.


فرشاة الشعر مغطاة بشعر غريب ليس لها.


الدمية وقد رُسم على وجهها فم أكبر بكثير مما كان عليه.


أصبحت ليلى تشعر أنها مراقَبة. وأن الخزانة ليست مجرد “باب” مغلق، بل نافذة على شيء

يراقبها من الداخل.


ذات ليلة، وبينما كانت تحاول النوم، سمعت صوت دق خفيف يصدر من داخل الخزانة.

دقّ…

ثم دقّان…

ثم سلسلة من الطرقات المتسارعة، كأن أحدهم أو… شيء ما… يحاول الخروج.


نهضت من سريرها وهي ترتجف. أمسكت هاتفها وسلطت ضوءه نحو الخزانة.


ثم رأته.


ظلّ صغير يتحرك تحت باب الخزانة.


صرخت بأعلى صوتها وركضت نحو الباب، لكنها توقفت فجأة عندما سمعت صوتًا خافتًا يأتي من

داخل الخزانة:


"ليـــــلى…"


لم يسبق لها أن شعرت بتلك الدرجة من الرعب. أصابها تجمّد كامل، ثم بدأت الأشياء في

الغرفة تسقط من أماكنها دون أن يلمسها أحد. الكتب تتناثر، الكرسي يتحرك، نافذة الغرفة

تُفتح وحدها.


والصوت…

ذلك الصوت…

يتكرر:

"ليلى… اقتربِي…"


كانت على وشك الهرب عندما حدث شيء لم تتوقعه.


سقط من أعلى الخزانة صندوق صغير لم تره من قبل. كان يحتوي على أوراق صفراء قديمة.

فتحتها بسرعة لتجد فيها ملاحظات مكتوبة بخط شخص يدعى “يوسف”.


كانت الملاحظات تصف الخزانة نفسها.


“الخزانة ليست خزانة. إنها ممر إلى عالم آخر لا يشبه عالمنا.”

“الأشياء التي تدخل… لا تعود كما هي.”

“الخزانة تطلب شيئًا واحدًا فقط… شخصًا كاملًا.”

“لقد أخذت زوجتي… والآن تحاول أن تأخذني.”

“إذا وجدت هذا… اهرب. ولو متأخرًا.”


كانت آخر ورقة مكتوبًا فيها:

“سأحبسها… أرجو ألا تجد طريقها إلى أحد بعدي…”


رفعت ليلى رأسها فجأة لتجد أبواب الخزانة تُفتح ببطء شديد، وكأن كيانًا بداخلها يدعوها للدخول.


ظهرت يد سوداء، طويلة، نحيفة بشكل غير طبيعي، تخرج قليلًا من الظلام داخل الخزانة…

ثم تتراجع…

ثم تظهر مرة أخرى.


كأن الشيء الذي بداخلها يتردد… لكنه لا ينسى جملته:


"أنت التالية…"


قررت ليلى أن تهرب، لكنها عندما وصلت إلى باب غرفتها وجدته مغلقًا من الخارج. حاولت بكل

قوتها سحبه، دفعه، الركل عليه، لكن دون جدوى. سمعت خلفها صوت خطوات بطيئة تقترب…

خطوات ليست لآدمي. تحولت إلى الخلف ببطء… لترى أن الخزانة لم تعد في مكانها الطبيعي.


لقد اقتربت منها.


نعم… الخزانة نفسها كانت تتحرك ببطء نحوها.

الأبواب مفتوحة… والظلام في داخلها يتحرك كالدوامة.


صرخت ليلى بأقصى قوتها، وركضت نحو النافذة وقفزت منها دون تفكير.

سقطت في الحديقة، وتعرضت لجرح كبير في ساقها.

لكنها نجت.


عندما عادت مع الشرطة إلى المنزل، وجدوا الغرفة كما هي…

إلا الخزانة.


لم تكن هناك.


اختفت نهائيًا، كأنها لم تكن موجودة يومًا.


مرت الشهور… وانتقلت ليلى إلى مدينة أخرى. حاولت أن تبدأ حياتها من جديد، لكن في أحد الأيام،

وأثناء ترتيب غرفتها الجديدة…


وجدت ورقة صغيرة فوق سريرها.


كانت الورقة صفراء… قديمة… تمامًا مثل أوراق الرجل “يوسف”.


وعليها مكتوب:


"لم تنتهِ القصة بعد…"

 

إرسال تعليق

0 تعليقات
إرسال تعليق (0)