في الأزمنة البعيدة التي لم تحفظها كتب البشر بدقة، وفي العصور التي تاهت معالمها بين
أساطير الأمم وحكايات الملوك، ظهر رجلٌ عظيمٌ ذكره القرآن الكريم بكل وضوح وثناء: ذو
القرنين. ورغم اختلاف أقوال المفسرين في حقيقة نسبه وزمانه، فإنّ القرآن قدّم عنه الصورة
الأهم: ملك صالح، مؤمن، حكيم، ممكّنٌ في الأرض، أتاه الله من أسباب القوة والملك ما جعله
يسير إلى أطراف العالم.
كان ذو القرنين رجلاً ذا هيبة ووقار، له قوة جسدية ومعنوية، وفي الوقت نفسه كان لين القلب،
يعامل الضعيف برحمة، ويقف شامخًا أمام الظالم دون تردد. أُوتي من الحكمة ما لم يؤته كثير
من الملوك، فكان يرى الملك أمانة، والقوة وسيلة لإقامة العدل لا للبطش.
البداية: تمكين إلهي لا يشبه غيره
يقول الله تعالى:
﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾
أي أنّ الله منحه قوةً، وجنودًا، وعلمًا، وقدرةً على التنظيم، وأسبابًا للسير في الأرض، لا يملكها
عادةً إلا من اختاره الله لعملٍ عظيم.
لم يكن ذا القرنين يطلب الملك لنفسه، بل كان يرى نفسه عبدًا لله، مسخّرًا لما كُلّف به. ومن
هنا بدأت رحلته الكبرى، الرحلة التي ستغيّر مصير أممٍ كاملة.
الرحلة الأولى — نحو مغرب الشمس
بعد أن أعطاه الله من كل شيء سببًا، قرر ذو القرنين أن يستخدم هذه الأسباب. فجهّز جيشًا
من الرجال الشجعان، والعلماء، والمستشارين، وصنّاع الأسلحة، ومهندسي الطرق، وسار بهم
نحو الغرب.
كانت رحلته طويلة، تمر عبر أنهار عميقة، وغابات كثيفة، وجبال وعرة. ومع كل بلد يعبره، كان
يسأل عن أحوال الناس، وهل فيهم ظلم أو فساد. فقد كانت غايته الأولى: إقامة العدل.
وبعد مسير طويل، بلغ ذا القرنين منطقة نائية عند نهاية اليابسة، حيث يرى الناس الشمس
تغرب في منظرٍ مهيب فوق ماءٍ كبير. يصف الله ذلك بقوله:
﴿حَتّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾
أي أنّه وجدها — بنظر العين — كأنها تغرب في مياه سوداء عميقة.
هناك وجد قوماً يختلفون عن الشعوب التي اعتاد رؤيتها. كانوا قبائل متفرقة، يختلط بينهم الخير
والشر. منهم المؤمنون الطيبون، ومنهم المعتدون الظالمون الذين يسفكون الدماء بغير حق.
اقترب قادة القوم من ذو القرنين رجاءً، وقالوا له:
"يا أيها الملك الصالح، لقد كثُر بيننا الظلم، وانتشر الفساد، ولا نستطيع ردع الجبابرة."
عندها أعلن ذو القرنين سياسته العادلة التي صارت مثلاً يُروى عبر العصور:
﴿أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا • وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ
الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾
بهذه الكلمات، وضع ذو القرنين أساسًا للعدالة:
الظالم يعاقَب في الدنيا.
الصالح يُكرَم ويُيسّر عليه.
وخلال الشهور التالية، نظّم ذو القرنين أحكام القبائل، وأزال أسباب النزاع، وفرض القانون،
وعاقب المفسدين. فأحبّه الناس، واستقرت المنطقة بفضل حكمه.
الرحلة الثانية — إلى مطلع الشمس
بعد أن ترك الغرب آمنًا، قرر ذو القرنين أن يتجه نحو الشرق، حيث مطلع الشمس. لم يكن يتبع
رغبةً في التوسع، بل كان يتبع أمر الله: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾.
كانت الطريق أكبر تحدياً؛ صحراء واسعة تمتد آلاف الكيلومترات، أرض لا شجر فيها ولا ماء إلا
قليلًا، والرياح فيها حارقة. ولكن الجيش كان مدرَّبًا، وقائده كان ذا عزيمة لا تلين.
حتى إذا بلغ مطلع الشمس، وجد قومًا يعيشون حياة بدائية جدًا. لم تكن بينهم وسائل للحماية
من الشمس، ولا حضارة، ولا عمران، وكانوا يتأثرون بحرِّ الشمس مباشرة لعدم وجود شيء
يظلهم.
هؤلاء القوم كانوا مسالمين، لا يعرفون الإفساد، لكنهم كانوا عاجزين عن تطوير حياتهم. لم يأت
القرآن بذكر أنّهم طلبوا من ذو القرنين شيئًا، ولم يذكر أنّه بنى لهم أبنية، لكنه ذكر أنه وجدهم على
حالٍ عجيب:
﴿حَتّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا﴾
فكانت مهمته هنا إصلاحية توجيهية، لا عسكرية ولا سياسية. علّمهم معنى شكر النعمة،
ووجّههم إلى طرق العيش التي تحفظ عليهم حياتهم، ثم تركهم دون أن يحملهم ما لا يطيقون.
فقد كان يعلم أن العدل ليس بفرض شكل واحد للحياة، بل بإعانة الناس بما يصلحهم.
الرحلة الثالثة — نحو بلدة بين جبلين
بعد الشرق والغرب، سار ذو القرنين شمالًا أو شمال شرق — كما يرجّح المفسّرون — حتى بلغ
منطقةً جبلية عظيمة، تحيط بها جبال شاهقة، وتتخللها ممرات ضيقة. كانت المنطقة
معروفة بالقسوة المناخية وصعوبة الطرق.
في تلك الأرض وجد قوماً لا يكادون يفقهون قولاً من شدة اختلاف لغتهم عن لغات الأمم
المعروفة. ومع ذلك، استطاع مترجمو ذو القرنين أو إشاراتهم إيصال المعنى.
كان هؤلاء القوم يعيشون في رعب دائم بسبب يأجوج ومأجوج، وهما قبيلتان شديدتا الفساد،
تهجمان على القرى، وتفسدان الأرض، وتسرقان الزرع والماشية، وتقتلان بلا رحمة.
عندما رأى ذو القرنين خوفهم، قالوا له عبر مترجم:
"يا ذا القرنين، إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض، فهل نجعل لك خراجًا على أن تجعل بيننا
وبينهم سدًا؟"
لم يطلب ذو القرنين المال، بل قال في جواب يخلّد التواضع:
﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾
أي أنّ ما أعطانيه الله خيرٌ من مالكم.
ثم طلب منهم التعاون:
﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾
أي أعينوني بالعمل، لا بالمال.
بناء السد العظيم — حدث لا يشبهه حدث
بدأ ذو القرنين بجمع الحديد الخام، وهو مادة قليلة في الأرض لكنها كانت متوفرة بكميات كافية
في تلك المنطقة. جمع ألواح الحديد، ووضع بعضها فوق بعض بين الجبلين. ثم أوقد النار حتى
أحمرّ الحديد واشتعل.
قال تعالى:
﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا﴾
أي اجعلوا النار أشدّ اشتعالاً بالنفخ.
وبعد أن أصبح الحديد كالكتل المتوهجة، سكب عليه النحاس المذاب، فصار سدًا قويًا لا يمكن
ليأجوج ومأجوج اختراقه.
قال تعالى:
﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾
وبذلك توقّف الاعتداء تمامًا، وانقلب خوف القوم إلى أمن، ورعبهم إلى راحة.
كلمات ذو القرنين الخالدة
عندما رأى الناس السد مكتملًا، ظنوا أنه سيبقى إلى الأبد، لكن ذو القرنين نبّههم إلى حقيقة
كبرى:
﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي، فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾
أي أنّ بقاء السد ليس لأنه من بنائه فقط، بل هو رحمة من الله، وأنه سيُدمَّر في آخر الزمان
عندما يأذن الله بخروج يأجوج ومأجوج.
الفلسفة الإلهية في قصة ذو القرنين
إنّ قصة ذو القرنين ليست مجرد حكاية ملك صالح، بل هي درس عظيم للأمم:
1. السلطة أمانة وليست غاية
ذو القرنين لم يطلب مالًا ولا جاهًا، بل قال:
"ما مكّنِّي فيه ربي خير".
2. العدل أساس الحكم
وعد بمعاقبة الظالم ومكافأة الصالح، وهذا هو قوام حياة الأمم.
3. العلم والعمل يصنعان الحضارة
لم يُعطِ الناس نقودًا، بل دعاهم للعمل في بناء السد.
4. الإيمان يحكم السعي
قوته لم تكن من نفسه، بل من الله.
5. النهاية بيد الله
حتى السد العظيم ينهار عندما يحين الوقت الذي قدّره الله.
عودة ذو القرنين
بعد بناء السد، لم يثبت القرآن هل واصل ذو القرنين رحلاته أم عاد إلى قومه، لكنه صوّره قائدًا
اكتملت مهمته بنشر العدل، وإغاثة المظلومين، وإقامة الحكم الصالح، والسير بالأسباب التي
وهبه الله إياها.
ترك وراءه أممًا تحمده، وشعوبًا تذكر اسمه، وسدًا مهيبًا ظلّ عبر القرون رمزًا للقوة الإلهية،
حتى يأتي يوم تهتز فيه الأرض، فينهار السد كما أخبر القرآن، ويخرج يأجوج ومأجوج من كل حدب
ينسلون.
خاتمة القصة
قصة ذو القرنين من أعظم القصص القرآنية التي تُعلّم البشر معنى القيادة الربانية، حيث يجتمع
الإيمان والعلم والقوة تحت راية العدل.
ليست قصة أسطورية كما يظن البعض، وليست من حكايات الأمم الخيالية، بل هي وحيٌ من
الله، لها حكمة، ورسالة، وعبرة لكل من تولّى مسؤولية أو ملكًا أو علمًا.


