سليمان عليه السلام النبي الملك الذي سخّر الله له الإنس والجن والطير

ArabStories
0

 






يُعَدّ نبيّ الله سليمان عليه السلام واحداً من أعظم الأنبياء الذين أنعم الله عليهم بالنبوّة

والحكمة والملك الواسع. فقد جمع الله له بين النبوّة والسلطان، ومنحه قدراتٍ خارقة ليست

لأحدٍ من البشر، كما قال تعالى:

"رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي".

وقد استجاب الله لدعائه، فأعطاه قدرة فهم منطق الطير والحيوان، وسخّر له الرياح تجري

بأمره، وأخضع له الجن يعملون بين يديه في ما يشاء من بناء وصناعة.


كان ملك سليمان ليس للزينة ولا للاستكبار، بل كان ملكاً دعوياً هدفه الأكبر هو نشر التوحيد

والدعوة إلى عبادة الله وحده. ولهذا نجد أن كل الأحداث التي عاشها سليمان، وكل الآيات التي

أيّده الله بها، كانت تصبّ في خدمة رسالته الربانية.



منطق الطير وآيات الله في ملك سليمان

أعطى الله نبيّه سليمان عليه السلام القدرة على فهم لغة الطيور وسماع كلامها. وتُعد هذه

المعجزة واحدة من أبرز المعجزات التي تُظهر عظمة ملكه. وقد ذكر القرآن مشهداً رائعاً حين

مرّ سليمان على جيش الطير، فسمع نملةً تخاطب قومها قائلة:

"يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ".

ابتسم سليمان ضاحكاً من قول النملة، شاكراً لله على هذه النعمة.


لم يكن سليمان ملكاً عادياً، بل كان قائداً عظيماً يدير مملكة تشمل البشر والجن والطير، بينهم

تنظيم دقيق، وترتيب عسكري وإداري محكم. وكان لكل فصيل مهام محددة، ومن بينها الهدهد

الذي كان مسؤولاً عن البحث والاستكشاف.



قصة غياب الهدهد وبداية الحدث الأعظم

في يومٍ من الأيام، جلس سليمان يتفقد الطير، فلم يجد الهدهد في مكانه. قال سليمان عليه

السلام:

"مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ".

توعّد الهدهد إن كان غيابه بغير عذر، بعقاب شديد. وبعد مدة عاد الهدهد مسرعاً، وقد بدا عليه

الاضطراب وكأنه يحمل خبراً عظيماً.


وقف الهدهد أمام سليمان وقال:

"أحطتُ بما لم تُحط به، وجئتُكَ من سبإٍ بنبأٍ يقين."

ثم أخبره أنه وجد قوماً في اليمن تحكمهم ملكة عادلة اسمها بلقيس، لكنهم يعبدون الشمس

من دون الله.


غضب سليمان حين سمع ذلك، لأن دعوته قائمة على التوحيد ونشر نور الإيمان. فأرسل الهدهد

برسالة حملها إلى بلقيس، مضمونها:

"أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ".

كانت الرسالة دعوة واضحة للدخول في الإسلام وترك عبادة الشمس.



بلقيس تقرأ الرسالة وتتشاور مع قومها

حين وصل الهدهد إلى مملكة سبأ، ألقى الرسالة بين يدي الملكة بلقيس. قرأت الرسالة في

مجلس الحكم، فتغيّر وجهها وقالت لأكابر قومها:

"يا أيها الملأ، أفتوني في أمري".

فأجابها القوم بأنهم أصحاب قوة، لكن القرار يعود لها.


كانت بلقيس امرأة حكيمة، تدرك أن الحرب ليست حلاً دائماً، خصوصاً أمام ملك عظيم كهذا.

فقررت أن تُرسل إلى سليمان هدايا عظيمة تمتحن بها موقفه. فإن كان ملكاً دنيوياً فسيقبل

الهدايا، وإن كان نبياً سيرفضها.


وصلت الهدايا إلى سليمان، لكنه رفضها قائلاً:

"أتمدّونني بمال؟ فما آتاني الله خيرٌ مما آتاكم".

ثم توعّدهم بجيشٍ لا قِبَل لهم به إن لم يستجيبوا لدعوة التوحيد.


عاد الوفد إلى بلقيس بالردّ الصارم، فقررت الذهاب بنفسها للقاء سليمان وللتأكد من نبوّته.



سليمان يخطط لإحضار عرش بلقيس

أراد سليمان أن يريها آية تدل على أن ملكه ليس بشرياً بل هو هبة من الله. فقال لقومه:

"من يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين؟"

فقال عفريتٌ من الجن:

"أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك."

لكن رجلاً صالحاً آتاه الله علماً خاصاً قال:

"أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك."

وفي لحظة خاطفة ظهر العرش أمام سليمان!


أمر سليمان بتغيير بعض ملامح العرش ليمتحن بلقيس هل ستعرفه أم لا.



لقاء سليمان وبلقيس… اللحظة الفاصلة

دخلت بلقيس قصر سليمان الذي كان تحفةً معمارية رائعة. رأت العرش، فسألها سليمان:

"أهكذا عرشك؟"

فقالت بحكمة:

"كأنه هو."

إجابة تدل على ذكاء واحتياط.


ثم أراد سليمان أن يريها آية أخرى، فأدخلها قاعة أرضها من زجاج صافٍ يموج تحته الماء. ظنّت

بلقيس أنه نهر، فرفعت ثوبها، فقال سليمان:

"إنه صرحٌ مُمرد من قوارير."

وهنا أدركت بلقيس أن ما عند سليمان آيات ربانية وليست قدرات بشرية.

فقالت:

"رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ".

هكذا دخلت بلقيس في الإسلام، وهي إحدى أشهر قصص الهداية في التاريخ.



الجن يعملون بين يدي سليمان

كان الجنّ يعملون تحت أمره يبنون القصور والمحاريب ويصنعون التماثيل والقدور الضخمة.

قال تعالى:

"يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ".


وكانت هذه الأعمال آية من آيات الله في طاعة المخلوقات لسليمان، وكل ذلك كان بإذن الله لا

بقوة بشر.



وفاة سليمان عليه السلام… المعجزة التي كشفت الجنّ

بلغ سليمان من العمر ما شاء الله له أن يبلغ، وكان كثير العبادة. وفي يومٍ من الأيام وقف

سليمان متعبداً متوكئاً على عصاه. وبينما هو على هذه الهيئة قبض الله روحه.


ظل سليمان واقفاً على عصاه فترة طويلة دون أن يعلم أحد بموته، حتى الجن الذين كانوا

يعملون بين يديه. كانوا يظنون أن سليمان يراقبهم، فاستمروا في عملهم.


حتى جاءت حشرة صغيرة تُسمّى دابة الأرض، بدأت تأكل عصاه شيئاً فشيئاً، حتى ضعفت

العصا وسقط سليمان على الأرض. عندها علمت الجنّ أنه كان ميتاً منذ زمن، وأنهم لو كانوا

يعلمون الغيب لعلموا بموته.

قال تعالى:

"فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ".


وهنا تظهر حكمة الله في إظهار حقيقة أن الجنّ لا يعلمون الغيب.



 الدروس والعبر

قصة سليمان عليه السلام ليست مجرد قصة نبي حُكمه واسع، بل هي مدرسة كاملة في

الحكمة والعدل والإيمان. من أهم الدروس:


التوفيق بيد الله وحده.


العلم الحقيقي هو ما يقرب إلى الله.


الحكم والقوة لا قيمة لهما دون العدل والتقوى.


دعوة التوحيد هي الأساس الأعظم في رسالة الأنبياء.


لا أحد يعلم الغيب إلا الله.


وتبقى قصة سليمان مثالاً خالداً للنبي الملك الحكيم الذي سخر الله له ما لا ينبغي لأحد من

بعده.


إرسال تعليق

0 تعليقات
إرسال تعليق (0)