قلبان التقيا بعد فوات الأوان — قصة حب مؤثرة

ArabStories
0


 




في مدينة هادئة تغفو على ضفاف البحر، كانت ليان تمشي كل صباح على الرصيف الخشبي

الممتدّ نحو الميناء. لم يكن المشهد جديدًا عليها؛ فقد اعتادت منذ سنوات أن تبدأ يومها بهذه

الطريقة، لكنّ الذي اختلف هو ذلك الفراغ الذي يسكن قلبها منذ أن تركها آدم دون وداع.

لم تكن تظن يومًا أن الفراق قادر على انتزاع الروح من الجسد، لكنها أدركت ذلك حين غاب. ترك

وراءه ذكريات لا تموت، وصورًا لا تكفّ عن العودة رغم محاولاتها المتكررة للنسيان. كانت

تتساءل دائمًا: ماذا لو عاد؟ هل كانت ستسامحه؟ هل كانت لتفتح له قلبها مجددًا؟


لكن الحياة لا تنتظر أحدًا، والوقت لا يعود.


كانت ليان تعمل ككاتبة في مجلة محلية، تكتب عن قصص الآخرين بينما تخبئ حكايتها الخاصة

في زاوية بعيدة من قلبها. أما آدم، فقد اضطر إلى السفر حينها بسبب ظروف قاسية، لكنه لم

يكن يمتلك الشجاعة ليخبرها. رحل بصمت… وظن أنها ستنساه.

لكن الحب الحقيقي لا يُمحى بهذه السهولة.


مرت السنوات، وكبرت ليان. تغيّرت ملامحها قليلًا، لكن نظرتها بقيت كما هي: خليط من القوة

والحنان والحزن الخفي. وعندما تسألها صديقتها سارة عن السبب، تبتسم وتقول:

— أحيانًا يترك في القلب أثرٌ لا يمحوه الزمن.


في مساء هادئ، بينما كانت ليان ترتّب أوراقها استعدادًا لنشر مقال جديد، رن هاتفها برسالة

قصيرة من المجلة تطلب منها إعداد تقرير عن "قصص الحب التي فشل أصحابها في نسيان

الماضي".

ابتسمت بسخرية.

وكأن القدر يصر على تذكيرها بحكايتها كلما اعتقدت أنها تجاوزتها.


قررت أن تخرج قليلًا. حملت دفترها وتوجّهت نحو المقهى المطل على البحر. جلست في ركنها

المعتاد وبدأت تسجل ملاحظاتها:

"هل يمكن أن يعود الحب بعد غياب طويل؟ هل يسمح القلب بفرصة ثانية؟ وهل يمكن أن

يتلاقى قلبان ارتبطا ذات يوم بعد فوات الأوان؟"


كانت تكتب تلك الأسئلة بيد، بينما يدها الأخرى ترتجف دون إرادة.

لم تكن تدري أن الإجابة على كل تلك الأسئلة كانت تقترب منها شيئًا فشيئًا…


على الجانب الآخر من المدينة، كان آدم قد عاد لتوّه من السفر بعد سنوات طويلة. عاد رجلًا

مختلفًا، أكثر نضجًا، وأكثر وعيًا بأخطائه. كان يسأل نفسه طوال الطريق إلى منزله القديم:

هل ما زالت ليان هنا؟ هل غفرت؟ هل ما زالت تذكره؟

كان يعلم أنه ترك جرحًا، لكنه لم يجد حينها خيارًا أفضل. فقد اضطر للسفر لإنقاذ عائلته من أزمة

خانقة، ولم يرد أن يحمّلها همومه. ظنّ أن الرحيل دون وداع سيجعل الأمر أسهل عليها… لكنه

كان مخطئًا.


حين اقترب من الميناء، توقفت خطواته فجأة.

رآها.

كانت ليان تمشي ببطء، تحمل دفترًا صغيرًا بين يديها، وترفع رأسها كل مرة وكأنها تبحث عن

شيء ضائع.


لم يستطع أن يقترب.

تجمّد مكانه، يتأمّلها من بعيد، بينما قلبه يخفق كما لو أنه عاد شابًا صغيرًا يراها للمرة الأولى.


مرت أيام قبل أن يقرر التقدم خطوة نحو الحقيقة.

وفي يوم مشمس، توجه إلى ذلك المقهى الذي كان يجمعهما دائمًا.

وقف أمام الباب، ثم دخل بخطوات مترددة.

لم يكن يدري هل هي هنا أم لا… لكنه شعر أنها قريبة.


وما هي إلا لحظات حتى رأى ليان تجلس في زاويتها، كما كانت تفعل دائمًا.

كانت تكتب.


اقترب ببطء، حتى أصبح أمامها مباشرة. رفعت رأسها… وتجمّدت. سقط القلم من يدها دون أن

تشعر.


قال بصوت خافت، يحمل كل الندم:

— ليان؟


لم تتحدث.

كل الكلمات تجمدت في قلبها. لم تكن تتوقع أن تراه، لا اليوم، ولا غدًا، ولا حتى في الأحلام.


جلس أمامها دون أن يستأذن، ثم قال:

— أعرف أني أخطأت… وأعرف أني تركت جرحًا. لكني عدت لأنني أدركت أن كل الطرق التي سلكتها

لم تؤدّ إلا إليك.


أغمضت عينيها، تحاول أن تتمالك نفسها.

كيف يعود الآن؟ بعد كل تلك السنوات؟ بعد كل محاولاتها للنسيان؟


سألته بامتداد الألم في صوتها:

— لماذا الآن يا آدم؟ لماذا بعد كل هذا الوقت؟


تنهد بعمق وقال:

— لأنني لم أستطع أن أكمل حياتي دون أن أقول لك الحقيقة. لم أكن قادرًا على الهرب أكثر.


صمت طويل ساد بينهما، يقطعه صوت الموج.


أخبرها بكل شيء.

عن الظروف التي أجبرته على الرحيل.

عن الليالي التي كان يكتب لها رسائل ثم يمزقها لأنه لا يريد أن يشفق عليها.

عن محاولاته لدفن حبها في قلبه لكنه كان يعود أقوى كل مرة.


استمعت إليه ليان دون مقاطعة.

كان قلبها يتأرجح بين الألم والاشتياق، بين الرغبة في معاتبته والشوق لسماع صوته.


وعندما أنهى حديثه، قالت في هدوء:

— كان بإمكانك أن تخبرني. أن تثق بي. أن لا تجعل الرحيل قرارًا منفردًا.


أخفض آدم رأسه:

— أعرف… ودفعت ثمن ذلك سنوات من الندم.


سألته:

— ولماذا عدت الآن؟

— لأطلب فرصة… ولو كانت صغيرة. فرصة أن نبدأ من جديد.


نظرت إليه طويلًا. كانت عيناها تحملان تاريخًا من الألم، لكنه لم يفقد الأمل.


مرت لحظات قبل أن تقول:

— الحب الذي غادر لا يعود بسهولة. والجرح الذي تركته لم يلتئم بعد.


هزّ رأسه متفهمًا:

— لا أريد أن أفرض شيئًا. فقط… اسمحي لي أن أكون قريبًا، حتى لو من بعيد. دعيني أثبت لك أنني

لم أتغير في حبك، بل نضجت لأحافظ عليه.


تأثرت ليان بكلماته، لكنها لم ترغب في اتخاذ قرار سريع.

قالت:

— امنحني وقتًا يا آدم. بعض الوقت فقط.


ابتسم بارتياح:

— سأمنحك كل الوقت الذي تحتاجينه… فقد انتظرت سنوات، وأستطيع أن أنتظر أكثر.


غادر المقهى بهدوء.

أما ليان، فبقيت تحدّق في الباب الذي خرج منه… وقلبها ينبض للمرة الأولى منذ زمن طويل.


مرت أسابيع قليلة، كان فيها آدم يحاول التقرب دون ضغط. كان يرسل لها كتبًا تعلم أنها تحبها،

يترك لها رسائل قصيرة قرب منزلها، ويرسل لها صورًا للبحر مع جملة:

"البحر يذكّرني بك… دائمًا."


شيئًا فشيئًا، بدأت مقاومة ليان تضعف.

لم يكن الحب قد مات… كان فقط نائمًا تحت طبقات من الخذلان.


وفي ليلة باردة، وبينما كانت واقفة على الرصيف ذاته حيث رأته أول مرة بعد عودته، سمعت

خطوات تقترب.

التفتت… فوجدته يقف خلفها، يحمل كوبين من القهوة الساخنة.


قال:

— ظننت أنك تحتاجين إلى دفء… وأنا أيضًا.


ابتسمت دون إرادة.

تبادلَا حديثًا طويلًا تلك الليلة، تحدثا عن الماضي، عن المستقبل، عن الخوف، وعن الأمل.


وعندما سألته:

— هل تعتقد أننا تأخرنا كثيرًا؟

أجاب وهو ينظر إلى الموج:

— ربما التقينا بعد فوات الأوان… لكن ربما الأوان الحقيقي يبدأ الآن.


في تلك اللحظة، شعرت ليان أن قلبها بدأ أخيرًا يتصالح مع نفسه.

لم تعد تخاف من الحب، ولم تعد تهرب من الماضي.

ولأول مرة منذ سنوات، شعرت أن العودة ليست ضعفًا… بل شجاعة.


قالت له:

— آدم… أريد أن نجرّب من جديد. لكن ببطء. خطوة تلو أخرى.

ابتسم بعينين تلمعان:

— سأمشي معك أينما أخذتنا الخطوات.


وهكذا…

بدأت حكاية جديدة بينهما، ليست نسخة من الماضي، بل بداية ناضجة، هادئة، مليئة بالوعي

والاحتواء.


لقد التقيا بعد فوات الأوان…

لكن بعض القلوب، مهما تأخر بها الزمن، تجد دائمًا طريقها للقاء.


إرسال تعليق

0 تعليقات
إرسال تعليق (0)