قصّة عيسى عليه السلام – الميلاد الإعجازي والمعجزات العظيمة ودعوة الحق

ArabStories
0

 






تعدّ قصة عيسى عليه السلام واحدة من أعمق القصص تأثيرًا في تاريخ البشرية، فهي قصة

تجمع بين الإعجاز الإلهي، والرحمة، والدعوة إلى التوحيد، والصبر في مواجهة الظلم والتكذيب.

وتبدأ هذه القصة المباركة من مكان هادئ بعيد عن الناس، حيث كانت مريم عليها السلام

تعيش في طهرٍ وعبادة داخل محرابها، لا تشغل نفسها إلا بذكر الله والخضوع له. وقد اختارها

الله – سبحانه وتعالى – ليجعل منها أمًّا لنبي كريم يولد من غير أب، ليكون آية على قدرته، ودليلًا

ساطعًا على أنه إذا أراد شيئًا قال له كن فيكون.



البشارة الإلهية لمريم عليها السلام

في يوم من الأيام، بينما مريم خاشعة في عبادتها، جاءها جبريل - عليه السلام - في صورة بشر،

ففزعت منه وقالت: "إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيًا"، فأخبرها أنه ملك من عند الله، جاء

ليبلغها بشارة عظيمة ستغيّر مجرى حياتها.


قال تعالى:

﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّٰهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ

الْمُقَرَّبِينَ﴾


تعجبت مريم مما سمعت، وقالت: "أنّى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر؟"، فجاءها الرد:

﴿كَذَٰلِكِ اللّٰهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾

لتدرك أن ما سيحدث هو أمرٌ إلهي خارق للعادة، لا يحتاج إلى الأسباب المعتادة التي يعرفها

البشر.



النفخ الإلهي وحمل مريم

نفخ جبريل في جيب درعها بأمر الله، فدخلت النفخة في جسدها، وحملت بمولودها عيسى عليه

السلام حملاً معجزًا لا يشبه أيّ حملٍ آخر. شعرت مريم بالخوف من نظرة قومها، وخشيت من

الاتهام والظلم، فاعتزلت الناس حتى جاء وقت الولادة.



ولادة عيسى عليه السلام تحت النخلة

خرجت مريم إلى مكان بعيد، وهناك جاءها المخاض تحت جذع نخلة يابسة. ومع الألم والخوف

قالت كلماتها المشهورة:

"يا ليتني متّ قبل هذا وكنت نسيًا منسيًا!"


فناداها صوت من تحتها:

﴿أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾

وأمرها الله أن تهز جذع النخلة، فتساقط عليها رطبًا جنياً، وهي معجزة عظيمة؛ إذ لا تسقط

الرطب من النخل إلا في وقت معين، ولا يتساقط بمجرد الهزّ إلا بأمر الله.


أكلت وشربت واطمأن قلبها، ثم رجعت إلى قومها حاملة وليدها بين يديها.



عيسى عليه السلام يتكلم في المهد

عندما رأى قومها الطفل في حضنها، اتهموها بالباطل، فظنوا أنها ارتكبت فاحشة، رغم علمهم

 بطهرها. لم تتكلم مريم – امتثالًا لأمر الله – وأشارت إليهم أن يكلموا الطفل.


تعجبوا وقالوا: "كيف نكلم من كان في المهد صبيًا؟"


فإذا بالمعجزة تتجلى، إذ قال عيسى عليه السلام بصوت واضح:

﴿إِنِّي عَبْدُ اللّٰهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾

كان هذا أول بيان يصدر منه، ليدلهم على أنه عبد لله، وليس ابنًا لأحد، وأنه رسول من عند الله.



نشأة عيسى عليه السلام وتعلّمه

كبر عيسى عليه السلام في بيئة مليئة بالعلماء ورجال الدين من بني إسرائيل، وكان الله يعلّمه

الكتاب والحكمة، والتوراة والإنجيل. نشأ على الطهر والعبادة، وكان ذا هيبة ووقار.



بعثة عيسى إلى بني إسرائيل

عندما بلغ أشدّه، أُرسل إلى بني إسرائيل بعدما انحرف كثير منهم عن منهج الله، وغرقوا في

المادية والجدال والتكبر. جاءهم عيسى عليه السلام ليعيدهم إلى التوحيد، ويجدّد فيهم روح

الإيمان والرحمة.


قال لهم:

﴿إِنَّ اللّٰهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾



معجزات عيسى عليه السلام

أيد الله عيسى – عليه السلام – بمعجزات عظيمة تدل على صدقه ونبوّته، ومنها:


1. خلق الطير من الطين

كان يصنع من الطين هيئة طير، ثم ينفخ فيه فيكون طيرًا حيًّا بإذن الله.


2. إحياء الموتى بإذن الله

وهي من أعظم المعجزات، حيث دعا الميت فقام حيًّا أمام الناس، ليعلموا أن هذا ليس سحرًا بل

قدرة الله التي يجريها على يدي نبيه.


3. إبراء الأكمه والأبرص

كان يضع يده على المصاب فيشفى فورًا بإذن الله، وهو أمر لم يكن ممكنًا لطب زمانه.


4. إخبارهم بما يأكلون وما يدخرون

كان يخبرهم بما يخفونه، مما يدل على أن علمه من عند الله وليس اكتسابًا بشريًا.

كانت هذه المعجزات رحمة من الله، ودليلًا على صدق رسالته، ولكن رغم ذلك كذّبه كثير منهم.



الخذلان والتكذيب ومحاولة قتله

بدلًا من الإيمان، ازداد حقد الكافرين من بني إسرائيل. اجتمعوا وتآمروا لقتل عيسى عليه السلام،

خوفًا على مناصبهم الدينية والدنيوية. وشاع بينهم أنه يجب التخلص منه كما تخلصوا من غيره.


لكن الله – سبحانه – لا يمكن أن يترك نبيه فريسة لأعدائه. فلما خططوا لقتله، نجا عيسى

بمعجزة قال تعالى عنها:

﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾



الرفع الإلهي إلى السماء

رفع الله عيسى – عليه السلام – حيًا إلى السماء، وألقى شبهه على رجل آخر صلبه أعداؤه وهم

يظنون أنه المسيح. وهكذا أنقذ الله نبيه، وبقي عيسى مرفوعًا عند ربه إلى أن يأذن بعودته في

آخر الزمان.



إيمان الحواريين ونصرتهم له

على الرغم من تكذيب الكثيرين، آمن بعيسى عليه السلام جماعة مخلصة تُسمّى الحواريون. كانوا

اثني عشر رجلاً، نذروا أنفسهم لنصرة الحق. قال تعالى:

﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّٰهِ﴾


وقفوا إلى جانبه، ودافعوا عنه، وحملوا دعوته من بعده.



رسالة عيسى عليه السلام الحقيقية

جاء عيسى عليه السلام ليكمل المسيرة التي بدأها الأنبياء قبله، مبشرًا برسالة التوحيد، مؤكدًا

أن الله وحده المستحق للعبادة، وأنه نبي عبد لله، وليس إلهًا ولا ابنًا لإله كما ادّعى البعض من

بعده.


أكدها بقوله الواضح:

﴿إِنَّ اللّٰهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ، هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾



عودته آخر الزمان

من عقيدة المسلمين الثابتة أن عيسى عليه السلام لم يمت، وسيعود في آخر الزمان ليكسر

الصليب، ويقتل الدجال، ويحكم بالعدل، وينشر السلام، ويؤمن الناس على يديه.



قصة عيسى عليه السلام هي قصة نور وهداية، تبدأ بمعجزة الميلاد من غير أب، وتمضي

بمعجزات عظيمة أيّده الله بها، وتنتهي برفعه إلى السماء وحفظ الله له من كيد الظالمين.

هي قصة تُثبت أن الله قادر على كل شيء، وأن رسالته واحدة منذ آدم إلى محمد ﷺ:

عبادة الله وحده، والإيمان برسله، واتباع الحق.



إرسال تعليق

0 تعليقات
إرسال تعليق (0)