في ليلة باردة من ليالي نوفمبر، جلست ليان أمام مكتبها الخشبي القديم، تُقلّب بين دفاتر
ملاحظاتها وملفات دراستها الجامعية، تحاول التركيز بينما تتصارع مع صداعٍ غريب يلازمها منذ
أسبوع. الغرفة كانت هادئة، والعمارة بأكملها شبه نائمة، إلا من ضجيج الرياح التي كانت تضرب
النوافذ بقوة. وبينما كانت تبحث عن قلم، لفت انتباهها صندوق صغير كانت قد وضعته في
زاوية المكتب منذ أشهر، دون أن تهتم بفتحه.
مدّت يدها وسحبته نحوها. كان صندوقاً بنياً عادياً، لكن رائحته تشبه رائحة الأشياء القديمة التي
مرت عليها عقود. فتحته ببطء، لتجد بداخله هاتفاً أرضياً قديماً جداً، من النوع الذي كان
مستخدماً في السبعينيات، بقرص دائري وأسلاك ملتفة.
الغريب أنه لم يكن ملكاً لبيتها، ولم تتذكر أنها رأته قبلاً. ربما نسيه أحد السكان السابقين،
فكرت، لكنها لم تستطع تفسير سبب وجوده في غرفتها تحديداً.
وبينما كانت تقلب الهاتف بين يديها، رنّ فجأة.
تجمد الدم في عروقها.
الهاتف غير موصول بأي مصدر كهربائي… كيف يمكن له أن يرن؟
مدّت يدها المرتجفة نحو السماعة، وترددت لثوانٍ قبل أن تضعها على أذنها.
"هــ… هلو؟"
جاءها صوت خافت… ثم أوضح… ثم واضح تماماً:
"هل تسمعينني الآن؟"
تجمدت ليان في مكانها. الصوت كان لصوت فتاة… فتاة تقارب عمرها… لكن الأكثر رعباً أن
الصوت كان مطابقاً لصوتها هي.
قالت ليان بخوف:
"من أنت؟ وكيف حصلتِ على هذا الرقم؟"
جاء الرد بعد صمت قصير:
"أنا… أنتِ. لكن من عالم آخر."
سقطت السماعة من يدها وارتطمت بالمكتب. لم تستطع أن تصدّق. التقطتها بسرعة وقالت
بصوت متوتر:
"هذا ليس مضحكاً. من أنت؟!"
تنهدت النسخة الأخرى وقالت:
"أنا لستُ هنا لأخيفك. اتصالي بك ليس صدفة. الزمن عندي يتحرك بشكل مختلف، وكانت لدي
نافذة قصيرة للاتصال بك."
سألتها ليان:
"ولماذا تتصلين بي تحديداً؟"
رد الصوت:
"لأن حياتك على وشك التغيّر… ولأن ما يحدث عندي سيحدث عندك."
شعرت ليان بقشعريرة تسري في جسدها. قالت:
"ماذا تقصدين؟"
صوتها الآخر:
"هنا، في عالمي… اختفيتُ قبل ثلاثة أيام. اختفاء كامل… بلا أثر. الجميع يبحث عني، ولم يجدوا شيئاً
سوى هذا الهاتف. وعندما حاولوا الاتصال… أنتِ من رد."
بلعت ريقها بصعوبة.
"اختفيتِ؟ وكيف…؟"
"لا أعرف. كل ما أعرفه هو أن هناك شيئاً ما كان يراقبني قبل أن أختفي. شيء لا ينتمي لهذا
العالم… ولا لعالمك."
سألتها ليان بصوت مرتجف:
"ولماذا تتصلين الآن؟"
"لأحذّرك. لأنه بدأ يراقبك أنتِ أيضاً."
انقطع الاتصال فجأة، وعاد الهاتف إلى صمته القاتل.
جلست ليان على الأرض، تحاول استيعاب ما حصل. هل هذا حلم؟ هل هو نوع من الهلوسة
بسبب الضغط الدراسي؟ حاولت إقناع نفسها، لكن صوتها الآخر كان واضحاً جداً… واقعيًا
بشكل يزلزل القلب.
وضعت الهاتف داخل الصندوق وأرجعته لمكانه، لكنها لم تستطع النوم تلك الليلة. كانت تشعر
بأن هناك شيئاً ما يراقبها من زاوية الغرفة.
في اليوم التالي، حاولت تجاهل ما حدث. خرجت للدراسة، وجلست في الجامعة مع صديقتها "رنا".
لكنها لاحظت شيئاً غريباً… كلما رفعت رأسها، رأت رجلاً يقف بعيداً يحدق بها. رجل طويل،
ملامحه غير واضحة، ويرتدي معطفاً أسود.
ظنت أنه مجرد صدفة.
لكن عندما ذهبت إلى المكتبة… كان هناك.
وعندما جلست في الحافلة… كان هناك.
وعندما عادت للمنزل… كان يقف في نهاية الشارع، لا يتحرك. فقط يحدّق.
حاولت ليان تجاهله، لكنها بدأت ترتجف في كل مرة تراه. وعندما دخلت غرفتها، تفاجأت بأن
الضوء يومض بطريقة غريبة، وأن باب غرفتها يُفتح ببطء رغم أنها أغلقته بإحكام.
وفي أعلى المكتب… كان الصندوق مفتوحاً.
والهاتف… كان خارج الصندوق.
ورنينه بدأ من تلقاء نفسه.
رفعت السماعة بخوف:
"أنتِ مجدداً؟"
جاء صوت النسخة الأخرى أكثر اضطراباً:
"ليان… اسمعيني جيداً. اختفائي بدأ لحظة ظهوره. نحن… مرتبطتان بطريقة ما. ما يحدث لي
سيحدث لك. لا تتركيه يقترب."
ليان حاولت أن تفهم:
"من هو؟ هذا الرجل الذي يراقبني؟"
جاء الرد بصوت مرتجف:
"ليس رجلاً… إنه انعكاس لشيء خرج من الشرخ بين العالمين. كل مرة تتحدثين معي… يصبح
أقرب."
ارتجفت ليان.
"وماذا يريد؟"
"يريد أن يأخذ مكانك. أن يأخذ حياتك. كما فعل بي."
انقطع الصوت مرة أخرى.
لكن هذه المرة… قبل أن ينقطع… سمعت ليان صرخة حادة… صرخة تشبه صوتها تماماً.
مرت الساعات التالية ببطء. ليان لم تعد تفكر في الدراسة، ولا في الجامعة… فقط في الهاتف…
وفي الرجل المجهول.
في اليوم التالي، وهي في طريقها إلى المنزل، لاحظت أن الرجل أصبح أقرب… أكثر وضوحاً… لكن
ملامحه كانت غير طبيعية. وجهه بلا فم… بلا أنف… فقط عينان سوداوان تماماً.
بدأ يتحرك نحوها.
ركضت بكل قوتها نحو منزلها، دخلت الغرفة وأغلقت الباب، تتنفس بصعوبة، وقلبها يكاد
ينفجر.
رن الهاتف.
التقطته بسرعة:
"ساعديني! ماذا أفعل؟!"
جاء صوتها الآخر، لكن هذه المرة كان ضعيفاً جداً:
"لقد… تأخر الوقت… إنه… عند بابك…"
التفتت ليان نحو الباب.
كانت الظلال تتحرك خلفه.
بدأ المقبض يدور ببطء…
خطوة…
ثم خطوة…
حتى فُتح الباب.
لكن لم يكن الرجل هو الذي دخل…
بل كانت نسخة منها.
وجهها شاحب… ملامحها منهارة… وعيناها سوداوان مثل الرجل الغريب.
قالت النسخة الشريرة:
"كنتُ أنتظر هذا اليوم… عالمك مستقر أكثر من عالمي… والآن… دوري."
تراجعت ليان للخلف وهي تصرخ:
"ماذا تريدين؟ من أنت؟!"
اقتربت النسخة منها وقالت بصوت يشبه صوتها تماماً:
"أنا أنتِ… بعد أن أخذني الظل. والآن جاء دورك."
حاولت ليان الهرب نحو الباب، لكن النسخة مدّت يدها بشكل غير طبيعي… يد طويلة كالمطاط…
وأمسكت كتف ليان بقوة جعلتها تسقط على الأرض.
رن الهاتف مجدداً.
مدّت ليان يدها المرتجفة نحوه.
كان الصوت هذه المرة مشوشاً… لكن يمكن تمييزه:
"ليـــان… لا تنظري في عينيها… مهما حدث…"
لكن قبل أن تكمل الجملة، رفعت النسخة الشريرة رأس ليان بالقوة وجعلت عينيها تواجهان
عينيها السوداوين.
في تلك اللحظة… بدأت الغرفة تدور… الزمن يتشقق… الأصوات تتداخل… شعرت ليان أن وعيها
يُسحب منها.
صرخت بأعلى صوتها، لكنها لم تعد تسمع صوتها.
لم تعد تسمع شيئاً.
بعد ثوانٍ… أو ربما دقائق… فتحت ليان عينيها.
وجدت نفسها جالسة على الأرض. الغرفة نظيفة. لا ظل. لا نسخ. لا أحد.
وقربها… الهاتف القديم.
أخذت نفساً عميقاً، تحاول استيعاب ما حدث.
لكن عندما دخلت إلى الحمام لتنظر إلى نفسها في المرآة…
رأت وجهها.
لكن عينيها… كانتا سوداوتين.
والابتسامة التي ظهرت على وجهها لم تكن ابتسامتها.
ولأول مرة… سمعت صوتاً داخل رأسها يقول:
"أخيراً… أصبح العالم ملكي."
في تلك اللحظة… رن الهاتف مرة أخرى.
لكن الصوت هذه المرة… لم يكن صوت النسخة الأخرى.
كان صوت الرجل الأسود نفسه:
"مرحبا… ليان الجديدة. حان وقت العمل."
ثم انقطع الاتصال.
وانطفأت الأنوار.
وبدأ كل شيء… من جديد.

.png)
