الظلال التي تتحرّك حين أغمض عينيك

ArabStories
0

 






كان الليل قد تجاوز منتصفه حين بدأ "سليم" يشعر بثقلٍ غريب يضغط على صدره. الغرفة

مظلمة، نافذة صغيرة يدخل منها ضوء خافت، والهدوء يخيّم على المنزل الريفي القديم الذي

ورثه قبل أشهر قليلة. ورغم أن المكان يبدو عاديًا نهارًا، إلا أن الليل دائمًا ما يحوّله إلى شيء

آخر… شيء غير مألوف.


جلس سليم في فراشه وهو يضغط على صدغيه. منذ أسبوع، يعاني من الأرق. أو هكذا كان

يظن. كلّما حاول النوم، رأى ظلًا يقف قرب الباب. في البداية، اعتقد أنه مجرد خداع بصري بسبب

التعب، لكن الظل لم يختفِ… بل كان يتحرّك.


كان الأمر يبدأ دائمًا بالطريقة نفسها: ما إن يغلق عينيه، حتى يشعر بأن شيئًا يتحرك قرب

قدميه، كأن أحدًا يمرّر يده عبر الغطاء. وعندما يفتح عينيه فجأة، لا يجد أحدًا. ثم يظهر ذلك

الظل… ثابتًا، صامتًا، لكنه موجود.


في ذلك الليل بالتحديد، قرر سليم أن يواجه ما يراه. نهض من فراشه واتجه نحو الباب بخطوات

بطيئة. كان قلبه يخفق بقوة، وكأن أحدهم يقرع على ضلوعه من الداخل. فتح الباب بحذر، فاندفع

هواء بارد من الردهة. لم يكن هناك أحد. لكن شيئًا واحدًا لفت انتباهه:


ظله… لم يكن يشبهه.


كان ظله يمتد على الجدار بشكل أطول مما يجب، وكأن مصدر الضوء يأتي من جهة غير موجودة.

تجمّد سليم في مكانه، ومن دون أن يتحرك، رأى ظلّه يرفع رأسه نحوه. لم يكن ذلك ممكنًا…

الظلال لا تتحرك إلا إذا تحرك صاحبها، لكنه لم يتحرك قط.


ارتدّ إلى الوراء وتعثّر، فسقط أرضًا. أغمض عينيه للحظة من شدة الفزع، وما إن فتحهما حتى

اختفى الظل. لم يبقَ سوى الجدار الباهت.


عاد إلى غرفته وهو يلهث. حاول إقناع نفسه بأنه يتوهم، وأن ما رآه ربما كان بسبب إرهاق شديد،

لكن داخله كان يصرخ بشيء آخر: "هناك من يعيش في الظل… وهناك من يستخدم الظلال

ليقترب."


في اليوم التالي، قصد صديقه القديم "نادر"، الذي كان مهتمًا دومًا بالقصص الغريبة والظواهر

الخارقة. جلسا في مقهى قديم، وروى له سليم كل شيء بالتفصيل: الظلال التي تتحرك،

الأصوات الخفيفة لخطوات في الليل، والأغرب… الشعور بأن أحدًا ما يراقبه كلما أغلق عينيه.


قال نادر وهو يعبث بكوب القهوة:

– هل سمعت عن "ظلال الخفاء"؟

رفع سليم حاجبيه باستغراب:

– ما هذا؟

– أسطورة قديمة. تقول إن هناك كائنات تعيش في الظلام، تتحرك حين نغمض أعيننا فقط. لا

يمكن رؤيتها إلا في اللحظات التي تكون فيها بين النوم واليقظة. وإن أطال أحد النظر إليها…

تتغذّى على خوفه.


ابتلع سليم ريقه.

– هل تظن أن هذا… حقيقي؟

ابتسم نادر بسخرية، لكنه لم يخفِ ارتباكه الحقيقي.

– لا أدري، لكنها مجرد حكايات. ربما تحتاج فقط إلى الراحة.


لكن سليم لم يكن مقتنعًا. كان يعلم أن ما يعيشه ليس مجرد إرهاق.


حين عاد إلى المنزل، كان الليل قد بدأ يخيم على المكان. وقف أمام الباب للحظات طويلة قبل أن

يدخل. منزل واسع، جدران قديمة، نوافذ خشبية تسمح للهواء بالتسلل. شيء ما في هذا

المنزل يجعله يشعر بأنه مراقَب دائمًا.


جلس على السرير وهو يفكر:

(ربما يجب أن أغادر هذا المكان… ربما يجب أن أبيت الليلة في أي مكان آخر…)


لكن قبل أن يكمل أفكاره، لاحظ شيئًا غريبًا… ظل طويل عند الزاوية، لم يكن موجودًا قبل ثوانٍ.

كان يتحرك ببطء، وكأنه يتنفس.


تجمّد سليم في مكانه.

الظل يكبر… يتمدد… يقترب.


أغمض عينيه بقوة، لكنه سمع حركة خفيفة لشيء يزحف على الأرض. كان الصوت يقترب من

 السرير. فتح عينيه بسرعة، واختفى كل شيء. لكن قلبه كاد يتوقف حين التفت نحو الحائط ورأى:


ظلٌ آخر… ليس ظلّه هذه المرة… بل ظل شخص يجلس على الكرسي في الزاوية.


لكن الكرسي كان فارغًا.


عاد الظل يتحرك ببطء… يرفع رأسه… ثم يلتفت برأسه نحو سليم مباشرة.


لم يعد يستطع الحركة. كان يشعر ببرودة تنتشر في أطرافه، وكأن الدم يتحول إلى جليد. حاول

الصراخ، لكن صوته اختنق في حلقه.


فجأة، اختفى الظل تمامًا… وكأنه لم يكن موجودًا.


اختنق سليم من شدة الرعب. يمسح جبينه، يتنفس بصعوبة، ويبحث عن أي تفسير. لكنه لم

يجد سوى خوف أكبر… وعيناه بدأت تدمع من شدة التوتر. لم يعد يستطيع البقاء في الغرفة.


في منتصف الليل، أخذ مفاتيحه وخرج من المنزل. كان يتجه نحو السيارة حين لمح شيئًا جعل

الدم يفرّ من وجهه:

على الجدار الخارجي… كان هناك ظله، لكنه لم يكن مطبوعًا بضوء ما. كان يتحرك… يلتفّ نحو

سليم، ثم يمدّ ذراعه كأنه يدعوه للعودة.


ركض سليم بسرعة نحو السيارة وانطلق دون أن ينظر خلفه.


قضى بقية الليل في فندق صغير. وظن أن الأمر انتهى… لكن ما إن حاول النوم، حتى بدأ يرى

نفس الظلال على سقف الغرفة. كانت تتحرك بخفة، ثم تختفي. ثم تظهر من جديد، وكأنها تبحث

عنه.


عند الساعة الرابعة صباحًا… حدث شيء لم يكن يتوقعه.


شعر بيد باردة تلمس كتفه. فتح عينيه مذعورًا، لكنه لم يرَ شيئًا. نهض من السرير وهو يرتجف،

وتوجه نحو المرآة ليتحقق من مظهره. لكنه لم يجد انعكاسه كاملاً… نصف وجهه فقط كان

ظاهرًا.


والنصف الآخر… كان محجوبًا بشيء أسود يتحرك ببطء داخل المرآة.


تراجع، وكاد يصرخ، لكن الصوت لم يخرج. شعر أن الظل داخل المرآة يتقدم نحوه، وكأن المرآة لم

تعد حاجزًا.


ثم… اختفى كل شيء.


في الصباح، عاد إلى نادر وهو في حالة مأساوية.

– نادر، يجب أن تساعدني… الظلال تتبعني!

نظر إليه نادر بقلق:

– سليم، أنت شاحب… ماذا يحدث بالضبط؟

– إنها تتحرك عندما أغمض عيني… تقترب مني كلّما حاولت النوم… كأنها تريد الدخول في جسدي!

– ربما… ربما يجب أن نزور المنزل ونرى ما يحدث…


رفض سليم في البداية، لكن نادر أصر. ذهب الاثنان معًا إلى المنزل. وما إن دخلا، حتى لاحظ نادر

شيئًا مهمًا:

– سليم… هذا المنزل فيه رطوبة غريبة… وجدرانه تمتص الضوء بشكل غير طبيعي.


لكن سليم لم يكن يسمع أي شيء… فقد رأى من طرف عينه ظلًا يعبر الممر.


جذبه نادر بقوة:

– تجاهله! لا تتفاعل معه!


لكن سليم كان يشعر أن الظل يناديه… يقترب منه… يطوّق قدميه.


– نادر… أشعر به… إنه عندي… يلتصق بي…


صرخ نادر:

– لا تنظر إليه! لا تغمض عينيك!


لكن سليم لم يتحمل… أغمض عينيه.


وفي اللحظة نفسها، امتلأ المكان بأصوات همسات، كأن عشرات الأشخاص يتكلمون من داخل

الجدران. الظلال تسلقت الجدران، تجمعت خلف سليم، ثم اختفت فجأة.


فتح سليم عينيه… لكنه لم يعد هو.


التفت إلى نادر ببطء… بابتسامة باهتة.

كانت عيناه غارقتين في سواد تام، دون بياض أو بؤبؤ.


قال بصوت منخفض ليس صوته:

– لقد عادوا إلى… جسدي.


تراجع نادر مذعورًا:

– سليم… أنت لست سليم!


اقترب منه سليم بخطوات ثقيلة، والظلال تتمايل وراءه كأنها تتبعه كعباءة سوداء. همس:

– حين تغمض عينيك… يدخلون إليك. وحين تراهم… تصبح واحدًا منهم.


ومنذ ذلك اليوم، اختفى سليم تمامًا.

لم يُعثر عليه في المنزل، ولا في الفندق، ولا في أي مكان.


لكن بعض السكان يحلفون أنهم رأوا ظلًا يشبهه يجلس قرب النافذة في البيت القديم… ظلاً

يتحرك حتى عندما لا يتحرك الضوء.


وظلاً… ينتظر من يغمض عينيه.


إرسال تعليق

0 تعليقات
إرسال تعليق (0)