الرسّام الذي ظهرت لوحاته حيّة فجأة

ArabStories
0






في قرية هادئة على أطراف مدينة قديمة، عاش رسّام شاب اسمه عادل. كان معروفاً بين الناس

بموهبته الفريدة وقدرته على تحويل أي مشهد بسيط إلى لوحة نابضة بالألوان والجمال. لكن،

ورغم جمال أعماله، لم يكن أحد يشتري لوحاته. كانت القرية صغيرة، والناس لا يهتمّون بالفن

كثيراً. ومع الأيام، بدأ عادل يشعر بأن لوحاته لا تُقدّر كما يجب… وكأنها تنتظر شيئاً لم يحدث بعد.


كان عادل يعاني من العزلة، يقضي أغلب وقته في مرسم خشبي صغير، تملؤه رائحة الألوان

القديمة والصمت الثقيل. وفي ليلة باردة، بينما كان يخلط ألوانه ويستمع إلى صوت الرياح

تضرب النوافذ، لاحظ شيئاً غريباً: أحد ألوانه تغيّر تلقائياً. اللون الأزرق تحوّل إلى لمعان غير

مألوف، وكأنه ضوء قادم من عالم آخر.


ابتسم عادل ساخراً من نفسه.

— "ربما أنا متعب فقط."


لكنه لم يكن يعلم أن تلك الليلة ستكون بداية أغرب قصة يمكن أن تُروى… قصة ستجعل لوحاته

حيّة، وتضعه وسط ظاهرة خارقة لم يعرف العلماء تفسيرها حتى اليوم.


البداية: اللوحة الأولى التي تحرّكت!


بعد أن انتهى عادل من رسم لوحة جديدة لفتاة تجلس أمام نافذة مفتوحة، شعر بشيء يجذبه

للنظر في عينيها المرسومتين. كان هناك عمق غريب، كأن الفتاة تريد أن تقول شيئاً. ترك

اللوحة على الحائط وذهب لينام.


في منتصف الليل، استيقظ على صوت خفيف… كصوت قطعة قماش تُسحب بلطف. فتح

عينيه وهو يحدق في الظلام، ثم انتصب جالساً حين رأى شيئاً لم يصدّقه:

شعر الفتاة في اللوحة كان يتحرّك!

خيطان صغيرة تتمايل كأن نسمة هواء قادمة من داخل اللوحة نفسها.


وقف مذهولاً، اقترب خطوة بخطوة، حاول أن يلمس اللوحة… لكن عندما مدّ يده، توقّف شعر

الفتاة عن الحركة فجأة، وعادت اللوحة جامدة كما كانت.


هل كان يتوهّم؟

هل كان يحلم؟

لم يكن يعرف.


لكن المؤكّد أنه لم يستطع النوم بقية تلك الليلة.


الغموض يتعمّق


في اليوم التالي، حاول عادل اختبار الأمر. جلس على كرسي مقابل اللوحة لمدة طويلة. مرت

ساعات دون شيء يُذكر… حتى بدأت أشعة الشمس تنخفض. فجأة، رأى الفتاة في اللوحة

ترمش!


صرخ عادل وهو يبتعد للخلف.

كانت حركة واضحة… رمشة بطيئة حقيقية.


خاف… لكنه في نفس الوقت شعر بحماس غريب.

هل أخيراً حدث الشيء الذي كان يشعر به دائماً؟

هل كانت لوحاته "تنتظر" أن تتنفّس الحياة؟


قرّر أن يحفظ الأمر لنفسه. فلم يكن يريد أن يُتّهم بالجنون.


ليالٍ من الظواهر الخارقة


في الأسبوع التالي، تكرّرت الحوادث.

لوحة لشجرة بدأت أوراقها تتحرّك.

لوحة لبحر بدأت أمواجها تلمع بواقعية مرعبة.

لوحة لذئب كان يظهر فيها وميض في العين، وكأنه يراقب عادل.


لكن أغرب لوحة كانت للباب القديم.


رسم عادل باباً خشبياً قديماً وسط ظلام، دون أي تفاصيل حوله. وفي إحدى الليالي، لاحظ أن

الباب أصبح نصف مفتوح داخل اللوحة… رغم أنه رسمه مغلقاً تماماً. وعندما اقترب أكثر، شعر

بنسمة هواء بارد تأتي من عمق اللوحة.


لم يجرؤ على لمسها.


لقد تجاوز ما يحدث حدود "الغرابة"… ودخل عالم الأحداث غير المفسّرة.


زيارة الرجل الغامض


ذات ليلة، بينما كان عادل يحاول النوم، سمع طرقات على بابه. فتح ليجد رجلاً غريباً يرتدي

معطفاً طويلاً وقبعة تخفي ملامحه. قال الرجل بصوت منخفض:


— "سمعت أن لوحاتك… ليست عادية."


تجمّد عادل في مكانه.

كيف عرف؟

لم يخبر أحداً!


تابع الرجل:

— "أريد أن أرى لوحة الباب."


تردّد عادل، لكن شيئاً داخله جعله يوافق.

دخل الرجل المرسم، نظر إلى لوحات كثيرة، حتى وقف أمام لوحة الباب القديم. بقي دقيقة كاملة

يحدّق بها دون أن يتكلم.


ثم قال:

— "أخبرني… هل تحرّك الباب؟"


أجاب عادل بتوتر:

— "نعم… انفتح قليلاً."


ابتسم الغريب ابتسامة باهتة.

— "هذا يعني أنه بدأ."


اقترب أكثر، ثم همس وكأنه يقول شيئاً خطيراً:

— "لا تدع الباب يفتح بالكامل… مهما حدث."


وخرج دون أن يعطي أي تفسير.


الخطر يبدأ: تحذير لم يفهمه


مرت الأيام، وكانت اللوحات الأخرى تتحرك بطرق بسيطة، لكن لوحة الباب كانت الأكثر غموضاً.

كل يوم، كان الباب يُفتح أكثر… سنتيمتر واحد فقط.

حتى أصبح مفتوحاً نصفه تقريباً.


ليلة كاملة لم يستطع عادل النوم وهو يحدّق فيه.

من وراء هذا الباب؟

لماذا يفتح وحده؟

وما معنى تحذير الرجل الغريب؟


في الثالثة فجراً، اهتزت اللوحة بقوة.

سمع عادل صوت خشخشة… ثم صوت خطوات تُسمع من داخل اللوحة.

اقترب ببطء، حتى أصبح على بعد متر واحد فقط.


وفجأة…

ظهر ظل أسود داخل فتحة الباب.


كان يتحرك ببطء، كأنه يستعد للخروج.


تراجع عادل وهو يصرخ، أمسك فرشاته وحاول إغلاق الباب بالرسم فوقه، لكنه كلما حاول

استخدام اللون الأسود أو البني لإغلاق الفجوة، كانت الألوان تختفي وتعود كما كانت.


الباب كان يرفض أن يُغلق!


الهروب من اللوحة


في تلك اللحظة، انطلقت يد سوداء طويلة من داخل الباب… يد بلا أصابع واضحة، كأنها دخان

متجسّد.

توجّهت اليد نحو عادل، فأمسك مقعداً ورماه على اللوحة، لكن اليد خرجت أكثر وقوة أكبر.


كانت تتحرك نحو الأرض، تلمس الخشب، تترك خلفها أثر حرق خفيف.


أدرك عادل أن اللوحة لم تعد "لوحة" بعد الآن… بل بوابة.


بوابة لشيء لا ينتمي لعالم البشر.


الخطة الوحيدة


ركض عادل إلى زاوية الغرفة، قلب أوراقه القديمة بحثاً عن أي طريقة. تذكّر حديثاً قديماً سمعه

من أستاذه الراحل:

"الألوان تطيع الفنان… لكنها يمكن أن تعاقبه إذا تجاوز حدود الفن."


لم يفهم معنى الكلام حينها.

لكن الآن، شعر أن الأمر ليس مجرد استعارة.


أخذ دلو الطلاء الأبيض، وصبّه بالكامل على اللوحة.

لكن اللون الأبيض انزلق عليها دون أن يثبت… كأن اللوحة ترفض الطلاء.


كانت اليد تخرج أكثر… الآن جزء من الذراع الأسفل أصبح خارج الإطار.


صرخ عادل:

— "توقفي!!"


وللحظة… توقفت اليد.


تنفّس عادل بصعوبة، ثم قال بصوت مرتجف:

— "سأغلقك… لا تخرجي!"


لكن الكيان الموجود داخل اللوحة لم يتراجع.

بل بدأ يدفع الباب أكثر ليفتحه بالكامل.


اللحظة الفاصلة


فجأة، سمع عادل صوت خطوات قادمة من الخارج.

فتح الباب الحقيقي للمرسم، فوجد الرجل الغامض يعود.


دخل الرجل بسرعة، نظر إلى اللوحة وقال:

— "كنت أعلم."


ثم أمسك فرشاة صغيرة غريبة الشكل وأخرج زجاجة تحتوي سائل فضي.

— "هذا اللون… ليس من عالمكم. إنه الوحيد القادر على إغلاق البوابات."


اقترب الرجل من اللوحة وبدأ يرسم بسرعة فوق الباب، لكن اليد السوداء حاولت منعه. أمسكته

بقوة ودفعته للخلف. سقط الرجل على الأرض، والزجاجة الفضية تدحرجت نحو عادل.


أخذها بسرعة.


قال الرجل وهو يتألم:

— "ارسم دائرة… حول المقبض!"


اقترب عادل رغم الخوف، وبدأ يرسم دائرة كاملة حول مقبض الباب داخل اللوحة. كانت اليد

السوداء تصرخ بدون صوت، تهتز، تتلاشى أجزاء منها.


تابع عادل الرسم رغم ارتجاف يديه.

وعندما اكتملت الدائرة… أغلق الباب فجأة بقوة.


واختفت اليد.


اختفى الظل.


عادت اللوحة جامدة تماماً.


سقط عادل على الأرض منهاراً، بينما الرجل الغامض قال بصوت ضعيف:

— "لقد نجوت… لكن تذكر… الفن ليس دائماً جميلاً."


ثم غادر كما جاء… يختفي بين ظلال الليل دون أثر.


النهاية… أم البداية؟


بعد أسبوع، باع عادل مرسمه وغادر القرية.

لم يعد يرسم أبواباً… ولا ظلالاً… ولا بحاراً.

لكنه احتفظ بلوحة واحدة فقط من كل أعماله: لوحة الباب المغلق.


وضعها في مخزن بعيد عن الناس.

لكن في إحدى الليالي، عندما كان يمرّ بجانب المخزن، توقف فجأة…


سمع صوتاً خافتاً يأتي من الداخل.

لم يكن متأكداً، لكنه يشبه تماماً…


صوت طرق… قادم من وراء الباب.

 

إرسال تعليق

0 تعليقات
إرسال تعليق (0)