هل تؤمن أن الصدف قد تغيّر حياتك بالكامل؟
أن لقاءً عابرًا، أو مكالمة بالخطأ، أو حتى ورقة تقع منك في الشارع، يمكن أن تكون بداية قصة لا
تُنسى؟
كثيرون يمرّون بهذه التفاصيل الصغيرة دون أن يعيروها اهتمامًا، لكنني اليوم أكتب قصتي
لأقول إن الصدفة ليست دائمًا عشوائية كما نعتقد.
قصتي بدأت في صباحٍ عادي جدًا…
لكن نهايتها كانت أبعد مما تخيّلت يومًا.
الفصل الأول: بداية غير متوقعة
كنت أعمل في شركة صغيرة في وسط المدينة. حياتي كانت تسير بوتيرة بطيئة ورتيبة: استيقاظ
مبكر، زحام طرق، ساعات طويلة خلف المكتب، ثم عودة متعبة إلى المنزل.
لم يكن في أيامي ما يُميزها سوى كوب القهوة الذي أحتسيه كل صباح من المقهى القريب، كأنه
طقس يومي يذكّرني بأنني ما زلت حيًا.
في ذلك اليوم، كانت السماء ملبّدة بالغيوم، والأمطار تهطل بغزارة غير معتادة. تأخرت عن
العمل، وكنت أركض بين السيارات محاولًا تجنب البلل. وحين وصلت إلى المقهى، وجدته
مزدحمًا على غير العادة.
اصطففت في الطابور، أتفقد هاتفي بملل، حين اصطدمت بي فتاة تحمل كوبين من القهوة،
وسقط أحدهما مباشرة على معطفي.
قالت بخجل واضح وهي تحاول تنظيفه:
– أنا آسفة جدًا! لم أرك أمامي.
ضحكت رغم الموقف المزعج، وقلت مازحًا:
– لا بأس، القهوة مجانًا اليوم إذن!
ضحكت بدورها، وقدمت لي كوبها الآخر:
– خذ هذا بدلًا عنه، أنا لا أمانع.
شكرتها، وأنا أتأمل ملامحها للحظة: وجه بسيط، وابتسامة صادقة، وعينان تحملان هدوءًا
غريبًا.
لم أكن أعلم أن هذا اللقاء الصغير سيغيّر مسار حياتي بالكامل.
الفصل الثاني: الاسم الذي لم أنسَه
غادرتُ المقهى وأنا أحمل الكوب الذي أعطتني إياه، وعليه اسم مكتوب بخطٍ أنيق: "ليان".
ظل الاسم يرافقني طوال الطريق، يتردّد في ذهني دون سبب واضح. شعرت بشيء غريب،
إحساس بأن هذا اللقاء لم يكن مجرد صدفة عابرة.
مرّت أيام، وعدتُ إلى المقهى نفسه في التوقيت ذاته، لكنني لم أرَها. صرتُ أراقب الوجوه كل
صباح، وكأنني أبحث عن شيء ضاع مني دون أن أمتلكه أصلًا.
وفي صباحٍ ممطرٍ آخر، رأيتها أخيرًا تجلس في الزاوية، تقرأ كتابًا بهدوء. ترددت قليلًا، ثم اقتربت
وتظاهرت بأنني لم أرها من قبل.
سألتها:
– هل المقعد بجانبك شاغر؟
ابتسمت وقالت:
– تفضل، ولكن احذر من القهوة هذه المرة!
ضحكنا، وكأن بيننا معرفة قديمة.
بدأنا نتحدث، واكتشفت أنها تعمل في دار نشر، وتعشق الكتب والكتابة، وترى في القصص
ملاذًا من قسوة العالم. حديثها كان مختلفًا، عميقًا وبسيطًا في آنٍ واحد.
منذ ذلك اليوم، صار المقهى موعدنا الصغير كل صباح.
الفصل الثالث: أيام تشبه الحلم
مرّت الشهور سريعًا، وتحولت جلسات القهوة إلى أحاديث طويلة عن الحياة، الأحلام، الخوف،
والخيبات.
صارت "ليان" أكثر من مجرد صديقة عابرة، أصبحت الشخص الذي أنتظره دون أن أعترف بذلك.
كانت تشجعني دائمًا على الكتابة:
– لديك نظرة مختلفة… لماذا لا تكتب قصصك بدل أن تبقيها حبيسة رأسك؟
وبتشجيعها، بدأت أكتب أول قصة في حياتي، مستوحاة من صدفتنا الأولى. كانت تقرأها بعناية،
تصحح، تقترح، وتبتسم بفخر كأنها شريكة الحلم.
تحوّلت الجلسات الصباحية إلى ورشة صغيرة للأمل، وحلمنا المشترك بأن نصدر كتابًا يجمع
قصصًا عن الصدف التي تغيّر المصائر.
كنت أظن أن الأمور أخيرًا تسير في الاتجاه الصحيح… لكن الحياة لا تمنح شيئًا دون اختبار.
الفصل الرابع: رسالة غامضة
في أحد الأيام، تلقيت رسالة غريبة على بريدي الإلكتروني من عنوان مجهول. كانت تحتوي على
جملة واحدة فقط:
"احذر من الثقة العمياء، فبعض الصدف تُخفي ما لا يُقال."
تجاهلتها في البداية، واعتبرتها مزحة ثقيلة. لكن مع مرور الأيام، بدأت ألاحظ تغيّرًا في سلوك
ليان.
صارت شاردة الذهن، تتلقى مكالمات غامضة، وتغلق هاتفها بسرعة.
أحيانًا تبتسم، وأحيانًا أخرى يبدو الحزن في عينيها دون سبب.
وفي يومٍ ما… اختفت تمامًا.
هاتفها مغلق، ورسائلها بلا رد. ذهبت إلى دار النشر التي قالت إنها تعمل بها، لكن الموظفين
أكدوا أنهم لا يعرفون أي موظفة بهذا الاسم.
في تلك اللحظة، شعرت وكأن الأرض انسحبت من تحت قدمي.
من هي "ليان" إذن؟
هل كانت حقيقية؟ أم مجرد صدفة جميلة صنعتها أوهامي؟
الفصل الخامس: البحث عن الحقيقة
رفضت تصديق أن كل شيء كان كذبة. عدت إلى المقهى، جلست في الزاوية نفسها، أحدّق في
الطاولة التي جمعتنا عشرات المرات.
اقترب مني النادل وقال:
– سيدي، هذه الرسالة كانت هنا منذ أيام، وكتب عليها اسمك.
فتحت الورقة بيدين مرتجفتين. كان الخط هو نفسه.
"ربما ظننتَ أنني خدعتك،
لكنني فقط خبأت حقيقتي لأني كنت أهرب من حياةٍ لم أخترها.
كنت أحتاج صدفة تذكرني أني ما زلت أستحق أن أعيش بحرية.
شكرًا لأنك كنت تلك الصدفة."
انهمرت دموعي دون خجل. لم أفهم كل شيء، لكنني أدركت أن وجودها في حياتي لم يكن عبثًا.
الفصل السادس: الكتاب الذي غيّر كل شيء
بعد شهورٍ طويلة من الصمت، قررت أن أكمل الحلم وحدي.
كتبت كتابًا بعنوان "صدفة واحدة"، جمعت فيه قصصًا عن لقاءات غير متوقعة غيّرت حياة
أصحابها.
نجح الكتاب بشكل لم أتوقعه. وصلتني رسائل من قرّاء يخبرونني أن قصصي أعادت إليهم
الأمل، وذكّرتهم بصدف غيّرت حياتهم.
وفي أحد حفلات التوقيع، رأيت وجهًا في الصف الأخير جعل قلبي يتوقف للحظة…
كانت هي.
لم تقترب، لم تتكلم، فقط ابتسمت ورفعت يدها مودّعة، ثم اختفت من جديد.
الفصل السابع: معنى الصدفة
اليوم، وبعد مرور ثلاث سنوات، ما زلت أذهب إلى المقهى نفسه كل صباح.
أجلس في الزاوية ذاتها، وأتذكر كيف يمكن لصدفة واحدة أن تغيّر مسار حياة كاملة.
أدركت أن بعض الأشخاص لا يأتون ليبقوا، بل ليوقظوا فينا شيئًا نائمًا.
الفصل الثامن: ما بعد الصدفة
بعد تلك الليلة التي رأيتها فيها في حفل توقيع الكتاب، لم أنم جيدًا لأسابيع. لم تكن عودتها
المفاجئة هي ما أقلقني، بل الطريقة التي ظهرت بها ثم اختفت مجددًا، وكأنها جاءت فقط لتتأكد
أن أثرها في حياتي لم يذهب سدى.
كنت أستعيد ملامحها في ذهني مرارًا: ابتسامتها الهادئة، نظرتها التي تحمل مزيجًا من
الطمأنينة والوداع. لم أحاول البحث عنها هذه المرة، وكأنني تعلمت أخيرًا أن بعض الأجوبة لا
تأتي حين نطاردها، بل حين نتركها تمضي.
بدأت ألاحظ أنني تغيّرت دون أن أشعر. صرت أكثر انتباهًا للتفاصيل الصغيرة: حديث عابر مع
غريب، موقف بسيط في العمل، أو حتى لحظة صمت في المقهى. أدركت أن ليان لم تغيّر حياتي
لأنها بقيت فيها، بل لأنها جعلتني أرى الحياة بعينٍ مختلفة.
في أحد الصباحات، جلست في المقهى كعادتي، لكن هذه المرة لم أفتح حاسوبي للكتابة. اكتفيت
بالمراقبة. رأيت شابًا يتوتر قبل أن يطلب القهوة، وفتاة تبتسم للنادل وكأنها تعرفه منذ زمن،
ورجلًا مسنًا يحدّق في الفراغ وكأنه ينتظر ذكرى.
فهمت حينها أن كل شخص يحمل قصة، وأن الصدف لا تختارنا عبثًا، بل تأتي حين نكون في
أمسّ الحاجة إليها، حتى وإن لم ندرك ذلك في اللحظة نفسها.
الفصل التاسع: رسالة إلى من سيأتي
في تلك الفترة، بدأت أكتب رسائل قصيرة في دفتري، ليس لشخص بعينه، بل لكل من قد يمرّ
في حياتي صدفة.
كنت أكتب عن الخوف من التعلّق، وعن جمال اللقاءات القصيرة، وعن الأشخاص الذين يتركون
أثرًا دون أن يطلبوا البقاء.
كتبت في إحدى الصفحات:
"لا تحزن إن غادر من غيّر حياتك، فبعض الناس يأتون ليعلّمونا كيف نبدأ، لا كيف نستمر."
شيئًا فشيئًا، صارت هذه الرسائل جزءًا من كتاب جديد. لم يكن عن ليان فقط، بل عني، وعن
النسخة التي أصبحتُها بعدها. نسخة أكثر هدوءًا، أقل استعجالًا، وأكثر تصالحًا مع فكرة أن
الفقد ليس نهاية دائمًا.
لم أعد أبحث عن الصدف، لكنني صرت أرحّب بها حين تأتي. تعلمت أن أعيش اللحظة دون أن
أطالبها بوعدٍ طويل.
الفصل العاشر: لقاء أخير مع نفسي
ذات مساء، وبعد يوم عمل طويل، مررت بالمقهى دون قصد الجلوس. وقفت عند الباب فقط،
ونظرت إلى الداخل.
رأيت الطاولة التي جمعتني بليان، ولم أشعر بالحزن هذه المرة. شعرت بالامتنان.
ابتسمت، وغادرت، وأنا أدرك أنني لم أعد الشخص نفسه الذي دخل ذلك المقهى أول مرة متأخرًا
عن عمله، غارقًا في رتابة حياته.
ذلك الشخص لم يكن يعلم أن فنجان قهوة مسكوب سيكون بداية طريق جديد.
في طريقي إلى المنزل، فكرت أن الحياة لا تمنحنا ما نريده دائمًا، لكنها تمنحنا ما نحتاجه في
الوقت المناسب، حتى وإن جاء على هيئة صدفة عابرة.
الصدف لا تأتي عبثًا
كثيرون يقولون إن الحياة مجرد سلسلة من الصدف.
أما أنا، فأؤمن أن كل صدفة تحمل رسالة خفية.
ربما تكون ابتسامة، أو مكالمة بالخطأ، أو فنجان قهوة ينسكب عليك…
لكنها قد تكون بداية لحياة لم تكن تتخيلها.
فلا تستهِن أبدًا بما يبدو تافهًا،
فالصدفة التي تبتسم لك اليوم، قد تكون أجمل ما سيحدث لك غدًا.

.png)
.png)
