قصة بداية الخلق كما وردت في القرآن والسنة

ArabStories
0

 





البداية التي لم تنتهِ

منذ أن وُجد الإنسان على وجه الأرض، وهو يتساءل: كيف بدأ هذا الكون؟ من أين جئنا؟ ولماذا

وُجدنا؟ لكن الجواب لم يكن سرًا خفيًا في الإسلام؛ فقد أخبرنا الله تعالى في كتابه العزيز بكل

وضوح عن بداية الخلق، وأصل الإنسان، وسرّ وجوده. إنها قصة الخلق، التي تبدأ بكلمة، وتنتهي

بأمانة حملها الإنسان.



خلق السماوات والأرض

يقول الله تعالى: "اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ"

(يونس: 3)

كانت البداية من العدم، لم يكن هناك شيء سوى الله سبحانه وتعالى، لا مكان ولا زمان، لا نور

ولا ظلام. ثم قال الله "كن"، فكانت السماوات والأرض بأمره، وبدأ النظام الكوني الدقيق الذي

يسير إلى يومنا هذا وفق ميزان محكم لا يختل.


خلق الله السماوات السبع، وجعل لكل سماء أمرها، وزين السماء الدنيا بالمصابيح – أي النجوم

– وجعلها رجوماً للشياطين. ثم بسط الأرض، وجعل فيها جبالًا راسيات، وأنهارًا جارية، وماءً

عذبًا، وأرضًا خصبة. وفي الحديث الصحيح: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات

والأرض بخمسين ألف سنة" (رواه مسلم).



خلق الملائكة والجن قبل الإنسان

قبل أن يُخلق الإنسان، خلق الله الملائكة من نور، وجعلهم عبادًا مكرمين، لا يعصون الله ما

أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. ثم خلق الجن من مارجٍ من نار، كما ورد في قوله تعالى: "وَخَلَقَ الْجَانَّ

مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ" (الرحمن: 15). وكان من بينهم إبليس، الذي عبد الله مع الملائكة، لكنه لم يكن

منهم، ومع هذا التمايز بدأت القصة التي ستغير وجه الخليقة إلى الأبد.



خلق آدم عليه السلام

يقول الله تعالى: "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ" (ص: 71).

أخذ الله من تراب الأرض بأنواعها المختلفة، فكان آدم جامعًا لصفات البشرية كلها: الطيب

والصلب، السهل والصعب. ثم شكّله الله بيده الكريمة، وسوّاه، ونفخ فيه من روحه. "فَإِذَا

سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ" (الحجر: 29).



سجود الملائكة وتمرّد إبليس

حين أمر الله الملائكة أن يسجدوا لآدم تكريمًا له، سجدوا جميعًا إلا إبليس أبى واستكبر. قال

تعالى: "قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ" (الأعراف: 12).

ومنذ تلك اللحظة وُلد الشر الأول: الكبر والحسد. طُرد إبليس من رحمة الله، وأُعلن الصراع

الأبدي بين الخير والشر.



الجنة: الموطن الأول للإنسان

أسكن الله آدم في الجنة، وجعل له فيها الراحة والسعادة، وأكرمه بزوجة تسكن إليه. قال تعالى:

"يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا" (البقرة: 35).

لكن الجنة كانت دار اختبار وليست دار خلود. اقترب الشيطان متخفٍّ في ثوب النصيحة، وقال لآدم

وحواء: "هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ؟" فوسوس لهما حتى أكلا من الشجرة التي

نهاهما الله عنها، فانكشفت سوآتهما، وأُهبطا إلى الأرض، حيث بدأت قصة الإنسان الحقيقية.



الهبوط إلى الأرض: بداية التكليف

قال تعالى: "قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ" (الأعراف: 24).

لم يكن الهبوط عقوبة فقط، بل كان تكليفًا إلهيًا للإنسان ليعمر الأرض، ويُقيم العدل، ويجتهد

 في العبادة والعمل. أعطى الله لآدم العلم والقدرة على البيان، وعلّمه الأسماء كلها. ومن ذريته

بدأت البشرية تتناسل وتنتشر، ويُبعث فيهم الأنبياء والرسل لهدايتهم.



قصة التوبة الأولى

رغم خطيئة آدم، إلا أن باب الرحمة الإلهية فُتح منذ اللحظة الأولى. قال تعالى: "فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ

كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ" (البقرة: 37).

تلك الكلمات كانت أول صلاة، وأول اعتراف بالذنب في تاريخ الإنسان. فغفر الله له، لتبقى التوبة

طريقًا مفتوحًا لكل من أخطأ من ذريته.



من ذرية آدم إلى قيام الساعة

من آدم وُلد شيث، ثم تناسلت الأمم جيلاً بعد جيل. جاء نوح عليه السلام يدعو إلى التوحيد، ثم

إبراهيم، ثم موسى وعيسى، حتى جاء محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين.

كل نبي كان يحمل مشعل الهداية نفسه الذي بدأ من الجنة، وكانت رسالة الإسلام تتوّج مسيرة

الخلق بإعلان واضح: "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ" (الذاريات: 56).



الحكمة من الخلق والابتلاء

لم يكن خلق الإنسان عبثًا، ولم يكن وجوده على الأرض صدفة. الله تعالى جعل الحياة الدنيا دار

امتحان، يُمتحن فيها الإنسان في إيمانه، وأخلاقه، وصبره، وشكره. قال تعالى: "الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ

وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا" (الملك: 2).



الإنسان بين التكريم والضعف

كرّم الله الإنسان، وفضّله على كثير من خلقه، وسخّر له ما في السماوات وما في الأرض. قال

تعالى: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ" (الإسراء: 70).

لكن التكريم لا يعني العصمة من الخطأ، فالإنسان ضعيف بطبيعته، ينسى ويخطئ ويتأثر

بالشهوات والوساوس، ومن رحمة الله أن جعل باب التوبة مفتوحًا دائمًا.



الصراع المستمر مع الشيطان

منذ أن أبى إبليس السجود لآدم، أعلن عداوته للإنسان. قال تعالى: "لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ

الْمُسْتَقِيمَ" (الأعراف: 16).

لكن الشيطان لا يملك إجبار الإنسان، بل يُزين له الباطل، ويُهوّن المعصية. ومع ذلك، لم يترك

الله الإنسان وحيدًا، بل أرسل الرسل وأنزل الكتب، وجعل في الفطرة البشرية حب الخير وكراهية

الظلم.



إرسال الرسل: رحمة لا تنقطع

لم تخلُ أمة من رسول، ولم يُترك البشر دون هداية. كلما ابتعد الناس عن الحق، بعث الله إليهم

نبيًا يذكّرهم بسبب وجودهم، ويدعوهم لعبادة الله وحده. قال تعالى: "وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ

رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ" (النحل: 36).



الاستخلاف في الأرض

جعل الله الإنسان خليفة في الأرض، لا مفسدًا فيها. قال تعالى: "إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً"

(البقرة: 30).

ومعنى الاستخلاف أن يعمّر الإنسان الأرض بالعدل والعلم والعمل الصالح، فكل علم نافع وكل

عمل صالح وكل عدل يُقام هو جزء من تحقيق الغاية التي خُلق الإنسان من أجلها.



الموت والبعث

كما كانت البداية من تراب، فإن النهاية عودة إلى التراب. الموت ليس فناءً، بل انتقال من دار إلى

دار. قال تعالى: "كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ" (آل عمران: 185). وما بعد الموت هو الحقيقة الكبرى

التي سيقف عندها الإنسان ليُسأل عن عمره فيما أفناه، وعن عمله ماذا قدّم.


ثم يأتي البعث، حيث يُعاد خلق الإنسان مرة أخرى، كما بدأ أول مرة. قال تعالى: "كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ

خَلْقٍ نُعِيدُهُ" (الأنبياء: 104). وفي يوم القيامة يقف البشر جميعًا في مشهد مهيب، لا فرق فيه

بين غني وفقير، ولا بين ملك وفقير، إلا بالتقوى.



الرسالة والمعنى

قصة الخلق ليست مجرد حكاية عن الماضي، بل تذكير بمعنى وجودنا. خلقنا الله من تراب، لكنه

نفخ فينا من روحه، ليعلّمنا أن الإنسان مكرّم بالروح والعقل، لا بالجسد ولا بالمادة. ومنذ

اللحظة التي وُجد فيها الإنسان، وُجد معه الصراع بين الخير والشر، الطاعة والمعصية، النور

والظلمة.



البداية التي لم تنتهِ

من التراب بدأنا، وإليه نعود، ومن رحمته نُبعث من جديد. يقول الله تعالى: "مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا

نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى" (طه: 55).

تبدأ القصة بكلمة، وتنتهي بكلمة. في البدء قال الله "كن"، وفي النهاية يقول "ارجعوا إلى ربكم

راضين مرضيين". وهكذا تبقى قصة الخلق أعظم شهادة على عظمة الخالق، وكرامة الإنسان،

ودرسًا خالدًا لكل من أراد أن يعرف سر وجوده.


إرسال تعليق

0 تعليقات
إرسال تعليق (0)