لم أكن أؤمن يومًا بأن الأشياء الجامدة يمكن أن تراقبنا... حتى اقتنيت تلك المرآة.
كنت أبحث عن قطعة ديكور تضيف بعض الجمال إلى شقتي الجديدة، مرآة كبيرة بإطار خشبي
قديم وجدتها في متجر للأثاث المستعمل وسط المدينة. لم أتوقع أن قطعة بسيطة من الزجاج
يمكن أن تغيّر حياتي، أو بالأحرى... تسلبها مني ببطء.
البداية: الشقة والوحدة
كنت أعيش بمفردي بعد انتقال عملي إلى العاصمة. المدينة كبيرة، مزدحمة، لكنها باردة كالجليد.
الشقة في الطابق الخامس، صغيرة لكنها مريحة. غير أن شيئًا واحدًا كان يثير قلقي: الصمت.
ذلك الصمت الثقيل الذي يغمر المكان بعد منتصف الليل، حين لا يُسمع سوى صوت أنفاسي،
وهدير الثلاجة العجوز.
في أحد الأيام، بينما كنت أحتسي القهوة أمام النافذة، لفت انتباهي متجر صغير للأثاث
المستعمل. قررت أن أشتري شيئًا يكسر الملل. وهناك رأيتها... المرآة.
كبيرة، بيضاوية الشكل، يحيطها إطار خشبي داكن عليه نقوش غريبة. باهتة قليلًا، كأنها شهدت
سنوات من القصص المنسية.
المرآة الغامضة
منذ أن وضعتها في غرفة نومي، بدأت ألاحظ أمورًا غريبة.
أحيانًا أرى ظلًا يمر خلفي حين أنظر فيها، وأحيانًا أشعر أن انعكاسي يتأخر جزءًا من الثانية عن
حركتي.
في البداية، ظننت أن الأمر مجرد إرهاق أو سوء إضاءة. لكن الأمر ازداد غرابة ليلة بعد ليلة.
في إحدى الليالي، استيقظت على صوت خافت يشبه الهمس. نظرت نحو المرآة...
كانت الغرفة مظلمة، لكن الضوء المنعكس من الشارع كان كافيًا لرؤية شيء غريب: ظلي في المرآة
يتحرك بينما أنا ثابتة.
تجمد الدم في عروقي. حاولت تبرير ما رأيت. "ربما حلمت"، قلت لنفسي. لكن الشعور بالخوف لم يغادرني.
تصاعد الرعب النفسي
بدأت أعاني من الأرق. كلما أغمضت عيني أسمع صوتًا يهمس باسمي.
"ليلى..."، بصوت أنثوي خافت.
أحيانًا أسمع ضحكة مكتومة قادمة من داخل المرآة، وأحيانًا أرى وجهي يبتسم بينما أنا لا أتحرك.
ذهبت إلى الطبيب النفسي. قال إنها مجرد هلاوس ناتجة عن الوحدة والضغط النفسي. وصف لي
مهدئات ونصحني بالراحة.
لكن الراحة كانت آخر ما يمكنني الحصول عليه.
الرسائل على الزجاج
في صباح أحد الأيام، وجدت على سطح المرآة كتابة باهتة، كأن أحدهم مرّر إصبعه على الغبار وكتب:
"أعيديني إلى حيث كنتُ."
ارتعبت. من كتب هذه الجملة؟ لم يدخل أحد شقتي. حاولت مسحها لكنها لم تختفِ، بل ازدادت وضوحًا.
ذلك اليوم لم أستطع الذهاب إلى عملي. جلست أراقبها لساعات.
كل مرة أشيح بنظري عنها، أشعر وكأن أحدًا يراقبني من داخلها.
مواجهة المرآة
في الليل، قررت أن أواجه خوفي. حملت الهاتف لأوثق ما أراه. أطفأت الأنوار، ووجهت الكاميرا نحو
المرآة.
في البداية، لم يظهر شيء. ثم فجأة، ظهر في الانعكاس وجه امرأة تشبهني تمامًا، لكنها كانت
تبتسم ابتسامة باردة مريبة.
صرخت، ورميت الهاتف أرضًا. عندما التفتُّ إلى المرآة بعينيّ العاريتين... لم يكن هناك أحد.
لكن الهاتف كان لا يزال يسجل. وعندما شاهدت الفيديو لاحقًا، كانت المرأة ما تزال هناك... تنظر
إليّ وتلوّح بيدها.
السقوط في الجنون
منذ تلك الليلة، لم أعد أميز بين الحلم والواقع.
كنت أرى انعكاسي يتحرك من تلقاء نفسه. أحيانًا أجده واقفًا خلفي حين لا أكون أمام المرآة.
كنت أسمع طرقات تأتي من داخلها، كأن أحدهم يحاول الخروج.
بدأت أتحدث معها. نعم، مع المرآة. كنت أسمع صوتها يجيبني أحيانًا.
قالت لي:
"أنتِ لستِ وحدك... أنا أنتِ الحقيقية."
كنت أبكي، أصرخ، أطلب منها أن تصمت. لكن كلما حاولت تجاهلها، زادت الهلاوس.
بدأت أشك في نفسي. هل فقدت عقلي؟
ربما الطبيب كان محقًا... أو ربما المرآة ليست مجرد وهم.
النهاية: المرآة تنتصر
في صباح يومٍ غائم، قررت التخلص منها. حملتها بصعوبة وذهبت بها إلى الشارع.
لكن قبل أن أرميها في القمامة، رأيت شيئًا جعلني أتراجع خطوة إلى الوراء:
الانعكاس لم يكن يعكسني بعد الآن.
كانت هناك امرأة أخرى، ترتدي ملابسي، تحدق بي من داخل الزجاج... بينما كنت أنا في الخارج.
ابتسمت وقالت:
"الآن جاء دوري."
ثم سمعت صوت الزجاج يتحطم... وكل شيء أصبح أسود.
بعد أيام...
عندما جاءت الشرطة إلى الشقة بعد بلاغ الجيران عن رائحة غريبة، وجدوا المكان فارغًا.
لكنهم وجدوا مرآة مكسورة على الأرض، وفوقها بقع تشبه الدم.
الهاتف كان لا يزال يسجل، آخر مشهد يظهر فيه امرأة تنظر إلى الكاميرا وتبتسم...
ثم تهمس:
"من التالي؟"

.png)
