الانتقال إلى العاصمة والشقة الجديدة
كنت أعيش بمفردي بعد انتقال عملي إلى العاصمة، مدينة كبيرة، مزدحمة، باردة كالجليد، وكأنها
تحتفظ بقسوة كل من عاش فيها قبلنا. كل شارع يبدو وكأنه يحكي حكايات لا تريد أن
تسمعها، وكل نافذة مضاءة تعكس حياة الآخرين بينما أنا محاصرة في صمت شقتي. شقتي
كانت في الطابق الخامس، صغيرة لكنها مريحة، ولا تكاد تخلو من أصوات حياتي اليومية: هدير
ثلاجتي القديمة، صوت المصعد البعيد أحيانًا، وصوت أنفاسي التي تبدو عالية بشكل غريب
وسط هذا الصمت.
كانت ساعات النهار تمر ببطء شديد، وأيام الأسبوع تتشابه كأنها نسخ مكررة من بعضها. كنت
أراقب الناس أسفل الشارع، أتعرف على وجوههم العابرة، أتصنع قصصهم في رأسي، وأتخيل
ضحكاتهم وأحلامهم، بينما أنا محاصرة في عالمي الخاص. كل شيء بدا كأنه يتباطأ من حولي:
مرور السيارات، همس الرياح بين المباني، وحتى الطيور التي لم أرَها إلا نادرًا. شعرت بالوحدة
تتغلغل في عظامي، مع كل ساعة تمر.
في أحد الأيام، بينما كنت أحتسي قهوتي في الصباح الباكر، لفت انتباهي متجر صغير للأثاث
المستعمل على زاوية شارع ضيق. واجهته كانت مغطاة بالغبار، والستائر الممزقة تسمح
برؤية داخل المكان، حيث الخشب القديم والأثاث البالي يملأ المكان. شعرت بدافع غريب
للداخل. ربما أردت كسر روتين حياتي، أو ربما كنت أبحث عن شيء يمنحني شعورًا بالحياة وسط
هذا الصمت الطويل.
عند مدخل المتجر، استقبلني البائع، رجل مسن ذو عينين حادتين، يرتدي سترة داكنة قديمة،
عطره رائحته كالخشب القديم والزيوت المتعفنة. ابتسم ابتسامة غامضة وقال لي:
"تأكدي ماذا تريدين قبل أن تختاري… بعض الأشياء لا تُباع بسهولة."
لم أعر اهتمامًا لكلامه، وبدأت أتجول بين الأثاث، أراقب الكراسي القديمة، الطاولات المغبرة،
المصابيح المهترئة، حتى وقفت أمام مرآة كبيرة بيضاوية الشكل، محاطة بإطار خشبي داكن
عليه نقوش غريبة، كأنها تحمل أسرارًا من زمن بعيد. كان الزجاج باهتًا قليلاً، لكنه جذاب بطريقة
غريبة، كما لو كان يحمل قصصًا لم تُحكَ منذ عقود.
البائع همس لي بصوت منخفض:
"احذري… هذه المرآة لا تشبه أي شيء رأيتيه من قبل."
دفعت ثمنها بسرعة، شعور غريب يسري في جسدي، شعور بالخوف والفضول في الوقت
نفسه. لم أكن أعرف لماذا، لكن شيء بدا وكأنه يربطني بتلك المرآة منذ اللحظة الأولى. حملتها
إلى شقتي، وكل خطوة كنت أشعر وكأنها تراقبني، وكأن المدينة بأكملها تعرف ما أفعله.
المرآة تدخل حياتي
وضعت المرآة في غرفة نومي، وكانت تبدو وكأنها تملأ الغرفة بحضورها، رغم أنها مجرد قطعة
زجاج وخشب قديم. في الليلة الأولى، لاحظت أمورًا غريبة. كنت أنظر إلى انعكاسي، وفجأة
شعرت أن صورتي تتأخر جزءًا من الثانية عن حركتي. أحيانًا أرى ظلًا يمر خلفي، وكأن شيئًا لا يُرى
يتحرك في الغرفة.
في البداية، ظننت أن الأمر مجرد إرهاق، أو لعب الضوء مع الغبار. لكن مع كل ليلة، بدأ الشعور
بالخوف يتزايد. أصوات خافتة، ضحكات مكتومة، وهمسات غير مفهومة… وكلها تأتي من المرآة.
شعرت بالبرودة تتغلغل في جسدي، الهواء حولي يصبح ثقيلاً وكأن المرآة تشدني نحوها.
ليالي الأرق أصبحت مستمرة. كنت أستيقظ على صوت أنفاسي، أسمع همسات تقول اسمي
بصوت أنثوي خافت:
"ليلى…".
أحيانًا أرى وجهي في المرآة يبتسم، بينما جسدي ثابت تمامًا. شعرت بالذعر، ولم أستطع تفسير
ما يحدث.
بدأت ألاحظ أشياء أخرى: الكتب على الرفوف تتغير مواقعها، المصابيح تومض فجأة، الهواء
يصبح باردًا بشكل غريب في أماكن محددة. حتى الطبيب النفسي الذي زُرته لاحقًا قال إن كل
ذلك مجرد هلاوس ناتجة عن الوحدة والضغط النفسي، لكنه لم يعرف أن الخوف الذي أشعر به
يتغلغل في أعماقي بطريقة لم يستطع وصفها.
الرسائل الغامضة على الزجاج
في صباح أحد الأيام، وجدت على سطح المرآة كتابة باهتة، كأن أحدهم مرر إصبعه على الغبار
وكتب:
"أعيديني إلى حيث كنتُ."
ارتجفت يداي. لم يدخل أحد شقتي، لم ألمس الزجاج منذ الليلة الماضية، لكن الكلمة كانت
واضحة، كما لو أن المرآة نفسها تتحدث إلي. حاولت مسحها، لكنها لم تختفِ، بل ازدادت
وضوحًا.
جلست أراقب المرآة لساعات، شعرت وكأن أحدًا يراقبني من الداخل، وكل حركة صغيرة في
الغرفة كانت تسبب لي توترًا متصاعدًا.
الجزء الثاني: تصاعد الرعب والهلاوس
بداية الهلاوس
ليلى لم تعد ترى انعكاسها كما كان سابقًا. كل مساء، عند إيقاف الضوء، تبدأ المرآة تظهر لها
لمحات قصيرة لأشياء لا تستطيع تفسيرها. في إحدى الليالي، جلست على سريرها، الضوء
الخافت يتسلل من نافذة الشارع، والهدير البعيد للمصعد يملأ أرجاء الشقة، وفجأة شعرت
ببرودة شديدة من الخلف. التفتت، ولم يكن هناك أحد… ولكن في المرآة، ظهر ظل غريب
يراقبها، يتلوى كأنه كائن حي، ثم يختفي في جزء من الثانية.
ليلى حاولت تجاهل الأمر، لكن ذلك الظل أصبح يرافقها في كل مرة كانت تنظر فيها إلى المرآة.
بدأت تشعر بأن الشقة لم تعد ملكها، وكأن المرآة تحتل كل زاوية فيها، تراقبها، تتحكم في
حركتها.
الجار العجوز والهمسات الغامضة
في صباح اليوم التالي، وبينما كانت تتناول القهوة، رن جرس الباب. كان الجار العجوز، يبتسم
ابتسامة مريبة، وكأنه يعرف أكثر مما يجب:
"لماذا تخافين منها؟ هل تسمعينها تتحدث؟"
لم تفهم ليلى ما يقصده، لكنها شعرت برهبة غريبة. كل كلمة قالها كانت ثقيلة، كأنها تحمل
سرًا عميقًا. لم يكن من عادته التحدث معها هكذا، واختفى بعد أن همس بصوت منخفض:
"احذري… المرآة ليست مجرد زجاج."
ظهور صديقتها سارة
حاولت ليلى الاتصال بصديقتها سارة، وفي مكالمة الفيديو الأخيرة لاحظت سارة شيئًا غريبًا:
ظل يمر في الخلفية، انعكاس غير طبيعي لليلى نفسها. حاولت سارة تحذيرها:
"ليلى… أنتِ بحاجة لمساعدة… شيء غريب يحدث معكِ."
لكن ليلى بدأت تفقد القدرة على التمييز بين الحقيقة والخيال. انعكاسها في المرآة لم يعد مجرد
صورة، بل أصبح له حياة مستقلة، يتحرك في أوقات مختلفة عن حركاتها، أحيانًا يختفي، وأحيانًا
يظهر ابتسامة باردة على وجهها.
الهلاوس تتصاعد
ليالي ليلى أصبحت أكثر رعبًا:
كانت تسمع همسات تقول اسمها بصوت أنثوي متكرر: "ليلى… تعالي… انظري…"
بعض الليالي، كانت ترى انعكاسها يخرج من المرآة، يقف خلفها، يبتسم ابتسامة شريرة، ثم
يعود مكانه قبل أن تتمكن من الصراخ.
أصوات خافتة من الأثاث، طرقات على الجدران، الكتب التي تقع من الرفوف دون سبب، كل ذلك
جعلها تشعر وكأن الشقة كلها تحولت إلى كابوس حي.
ماضي المرآة الغامض
ليلى بدأت تبحث عن تاريخ المرآة، فاكتشفت أن هذه المرآة كانت جزءًا من قصر قديم مهجور
على أطراف المدينة، حيث حدثت اختفاءات غريبة قبل عقود. كان يُقال إن المرآة كانت بوابة بين
عالمين، وعند مرور الضوء والظلام في توقيت معين، يمكن للمرآة أن تلتقط أرواح من تتفاعل
معها.
كل معلومة جديدة كانت تزيد شعورها بالرعب، لكنها أيضًا كانت مشدودة بطريقة غريبة
لمعرفة ما يحدث بالفعل.
مواجهة أولى مع المرآة
في إحدى الليالي، قررت ليلى مواجهة المرآة بشكل مباشر. أطفأت جميع الأنوار، جلست على
الأرض مقابلها، وحاولت التحدث بصوت مرتجف:
"ماذا تريدين مني؟ من أنتِ؟"
الجو أصبح باردًا جدًا فجأة، والزجاج بدأ يتلألأ بضوء خافت غريب. انعكاسها بدأ يتحرك بشكل
مستقل، يقترب منها، يرفع يده كما لو يريد الإمساك بها. شعرت برعب غير قابل للوصف،
قلبها يكاد يتوقف، لكنها بقيت ثابتة.
ثم همس صوت غريب من داخل المرآة:
"أنتِ لستِ أنتِ… أنا الحقيقية."
كانت هذه الكلمات كافية لتدفعها إلى الصراخ، لكن صراخها لم يخرج، وكأن الهواء حولها قد
تجمد.

.png)
