مقدمة
في زمنٍ بعيدٍ لا تحدّه الخرائط، بين ممالكٍ تنام على أجنحة السحر وتستيقظ على نغم النايات، كانت هناك مدينة تُعرف باسم مدينة النور والظلال. كانت تلك المدينة من أعجب مدن الشرق، تمتزج فيها الحكايات بالأساطير، ويُقال إن من يسكنها لا يشيخ أبدًا، لأن الحب فيها لا يموت. ومن بين تلك القصص التي تناقلها الرواة في الليالي الطويلة، تبرز قصة حب نادرة جمعت بين أمير من أرض بعيدة وأميرة سجينة في قصرٍ من الذهب والدموع.
بداية الحكاية
كان الأمير ريان بن نادر فارسًا شجاعًا من مملكة تُدعى بلاد السند والعجائب. نشأ في القصور بين المعلمين والحكماء، لكنه لم يجد لذة الحياة في المجد ولا في الغنى. كان قلبه يبحث عن شيء لا يُشترى بالذهب، شيء يُحس ولا يُقال... كان يبحث عن الحب الحقيقي.
وذات ليلة من ليالي الصيف، بينما كان يسير على شاطئ البحر يتأمل القمر، لمح زورقًا صغيرًا تتقاذفه الأمواج. اقترب منه، فإذا فيه فتاة مغمىً عليها، ترتدي ثوبًا من الحرير الأخضر يلمع كضوء البحر. حملها الأمير إلى قصره، وسهر على علاجها أيّامًا حتى أفاقت.
وحين فتحت عينيها، بدت كأنها خرجت من حكاية من ألف ليلة وليلة. عرّفته بنفسها قائلة:
– “أنا الأميرة ليلى بنت الملك صهران، حاكم جزيرة اللؤلؤ. خُطفتُ من قصري على يد تجار البحر وبِيعْت في بلاد غريبة.”
أحس الأمير ريان أن القدر أرسلها إليه، فامتلأ قلبه بحبها منذ اللحظة الأولى، لكنه أخفى مشاعره احترامًا لها، واكتفى بخدمتها في صمت.
نشأة الحب بينهما
كانت ليلى تحمل في عينيها حزناً لا يُوصف، فحاول الأمير أن يعيد إليها الابتسامة. كان يصحبها إلى حدائق
القصر، يُريها الأزهار النادرة، ويسرد لها القصص التي تربّى عليها من “حكمة الملوك” و“شعر العشاق”.
وذات مساء، جلست ليلى تعزف على عودٍ من العاج، فاقترب منها ريان وسألها:
– “أتعزفين للحزن أم للحب؟”
ابتسمت بخجل وقالت:
– “لكل ما يسكن القلب ولا يُقال بالكلمات.”
منذ تلك الليلة، لم يعد القصر كما كان. صار النسيم يهمس بأغاني الحب، وصار القمر شاهدًا على
لقاءاتهما تحت شجرة اللوز العتيقة. كانا يتحدثان عن القدر، والحب، والحرية، وعن اليوم الذي تستعيد
فيه ليلى مملكتها المسلوبة.
لكن ما لم يكن يعلمانه، أن هناك من يراقبهما من بعيد... الساحر جلنار، الذي كان هو السبب في خطف
الأميرة، لأنه أرادها زوجة له لتقوية سحره.
مؤامرة الساحر
عندما علم جلنار أن الأميرة ليلى نجت، غضب غضبًا عظيمًا. جمع أتباعه وقال:
– “لن يهنأ هذا الأمير بها ما حييت! سأجعل حبهما لعنةً تطارد الأرض والسماء!”
وفي ليلة مقمرة، أرسل ريحًا عاصفة إلى قصر الأمير، فاشتعلت النيران في الحدائق، واهتزت
القباب الذهبية. حاول الأمير إنقاذ ليلى، لكنه وجدها تختفي أمام عينيه في سحابة من الدخان.
صرخ بأعلى صوته:
– “ليلىااااااااا!”
لكن صدى صوته عاد إليه من بعيد كأنه بكاء القدر نفسه.
أقسم الأمير أنه لن يهدأ حتى يعثر عليها، مهما عبر من الصحارى والبحار.
رحلة البحث
خرج ريان في رحلة طويلة استمرت سبع سنوات، عبر فيها الغابات والجبال والبحار. التقى بحكماء وصوفيين، وسأل النجوم عن طريقها، لكنه لم يجد أثرًا.
وفي إحدى الليالي، بينما كان نائمًا تحت شجرة زيتون قديمة، رأى في منامه طيف الأميرة ليلى
تقول له:
– “يا ريان، لا تيأس، فالحب الذي في قلبك هو مفتاح السحر. ستجدني في قصر الزمرد خلف
الجبال السبعة.”
استيقظ الأمير والدموع على خديه، فركب حصانه الأبيض وانطلق نحو الشرق. عبر الجبال والوديان حتى وصل إلى أرضٍ خضراء تتلألأ فيها المرايا. وهناك، رأى قصر الزمرد يلمع تحت أشعة الشمس كأنه قطعة من السماء.
اللقاء المنتظر
دخل الأمير القصر بعد معارك مع الجنّ وحراس السحر. وفي قاعة واسعة، وجد الأميرة مقيدة بسلاسل من نور، والساحر جلنار يحيطها بدائرة من النار.
صاح الأمير:
– “أطلقها أيها اللعين!”
ضحك الساحر وقال:
– “إن استطعت كسر ناري بسيفك، فهي لك، وإلا فستموت كلاكما.”
رفع ريان سيفه المضيء، وتلا كلمات علّمه إياها أحد الحكماء:
“باسم الحب الذي خلق الله به الوجود، وباسم النور الذي لا يطفئه الشر، لتُكسر القيود!”
فانطلقت من سيفه شعلة بيضاء اخترقت النار، وتحولت القاعة إلى بحرٍ من الضوء. سقط الساحر أرضًا وتلاشى رمادًا، وانكسرت القيود عن الأميرة.
ركضت ليلى نحو ريان وهي تبكي:
– “كنت أعلم أنك ستأتي، يا من أحببته قبل أن أعرف اسمه.”
ضمّها إلى صدره وقال:
– “وهل يخذل الحب الحقيقي من خلصه الله بالقدر؟”
العودة إلى مملكة اللؤلؤ
عاد الحبيبان إلى جزيرة اللؤلؤ بعد أن انتصرا على السحر والظلام. استقبلهم الشعب بالفرح، وأُقيمت الأفراح سبعة أيام بلياليها.
تزوج ريان وليلى في قصرٍ من الزمرد والياقوت، وكتب الشعراء في حبّهما قصائد لا تزال تُروى في الأسواق حتى اليوم.
لكن الأجمل من كل شيء، أن ليلى أمرت أن يُبنى في وسط الجزيرة حديقة الحب الأبدي، حيث تُزرع الورود البيضاء التي لا تذبل،
تخليدًا لقصتهما التي أصبحت من أشهر قصص الحب في ألف ليلة وليلة.
خاتمة وتأمل
هكذا علمتنا قصة الأميرة ليلى والأمير ريان أن الحب الصادق لا يموت، وأن القدر مهما دار، يعيد العشاق إلى بعضهم. في زمنٍ امتلأ بالغدر والخداع، تظل قصص الحب القديمة مثل شموعٍ تُضيء القلب، وتذكّرنا أن الوفاء والصدق هما أعظم كنوز الإنسان.
لقد قال الحكماء:
“من أحبّ بصدق، فقد عرف وجه الله في قلبه.”
وهكذا انتهت حكاية من أجمل قصص ألف ليلة وليلة، لكنها ما زالت تُروى على ألسنة العاشقين كلما أشرق القمر فوق البحر وسكتت الرياح...

.png)
