كيف تغير نظرتنا للعالم وتبني مجتمعات أكثر تفاؤلاً

ArabStories
0

 





في عالمٍ يغمره سيل من المعلومات السلبية، من الحروب والأزمات والكوارث الطبيعية إلى

الجرائم والمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، أصبح الإنسان يشعر وكأنه يعيش وسط دوامة

من القلق والتوتر. كثير من الناس يجدون صعوبة في التوازن النفسي بسبب الأخبار السلبية

التي تُعرض يومياً على شاشات التلفاز، وفي وسائل التواصل الاجتماعي، وفي الصحف والمواقع

الإلكترونية.


لكن وسط هذا الزخم، هناك نوع من الأخبار يُعيد التوازن ويمنحنا شعوراً بالأمل، وهو الأخبار

الإيجابية. هذه الأخبار لا تقل أهمية عن الأخبار السياسية أو الاقتصادية، بل يمكن القول إنها

الوقود الذي يُغذي روح الإنسان ويدفعه نحو التقدم والتفاؤل، لأنها تُذكرنا بأن العالم ليس كله

سوداوية، وأن هناك جانباً مشرقاً يستحق الانتباه.



ما المقصود بالأخبار الإيجابية

الأخبار الإيجابية هي تلك القصص والتقارير التي تركز على الأحداث المشرقة، والنجاحات

الإنسانية، والمبادرات الخيرية، والاكتشافات العلمية التي تخدم البشرية، وكل ما يبعث على

الفخر والأمل.


فعلى سبيل المثال، عندما نسمع عن شاب اخترع جهازاً لتوليد الطاقة من النفايات، أو عن

سيدة أنشأت مشروعاً لتشغيل النساء العاطلات، أو عن بلدٍ قلّل نسبة الفقر بفضل برنامج

تنموي ناجح، فكل هذه أخبار إيجابية.


الأخبار الإيجابية تشمل أيضاً الإنجازات العلمية والطبية التي تُسهم في تحسين حياة الناس،

مثل اكتشاف علاج جديد لمرض مزمن، أو تطوير تقنيات ذكية لتحسين جودة الحياة في المدن،

أو مبادرات بيئية للحفاظ على الموارد الطبيعية.


باختصار، الأخبار الإيجابية تركز على الحلول والإنجازات والقصص الملهمة، وليس فقط على

المشاكل والأزمات.



لماذا نحتاج الأخبار الإيجابية اليوم أكثر من أي وقت مضى

في العقود الأخيرة، زادت كمية الأخبار السلبية في وسائل الإعلام بشكل كبير. أصبحت نشرات

الأخبار اليومية مليئة بالكوارث والحروب والمشاكل الاقتصادية، مع التركيز على الجرائم والأزمات

الإنسانية.


ومع تكرار هذا النمط يومياً، يبدأ عقل الإنسان في التركيز على الخوف والقلق أكثر من الأمل.

الدراسات النفسية الحديثة أكدت أن التركيز المفرط على الأخبار السلبية يؤثر سلباً على الصحة

النفسية، ويزيد من احتمالية الإصابة بالاكتئاب واضطرابات النوم والقلق العام.


تُظهر دراسة أجرتها جامعة هارفارد أن متابعة الأخبار السلبية يومياً لمدة نصف ساعة فقط قد

ترفع مستوى التوتر بنسبة 27٪، بينما قراءة أو مشاهدة أخبار إيجابية تزيد من مستويات

السعادة والإحساس بالرضا النفسي.


من هنا، يأتي دور الأخبار الإيجابية كنوع من “العلاج الإعلامي”، الذي يوازن المشهد ويُعيد الثقة

في الإنسانية. إنها تساعد الناس على رؤية الجانب المشرق من الواقع، حتى لو كان العالم مليئاً

بالتحديات.



تأثير الأخبار الإيجابية على النفس البشرية

الأخبار الإيجابية ليست مجرد كلمات أو صور، بل هي محفز قوي للعقل البشري. عندما نقرأ قصة

نجاح أو مبادرة إنسانية، نبدأ تلقائياً في التفكير: "ربما أستطيع أنا أيضاً أن أفعل شيئاً مشابهاً".


علمياً، تظهر الأبحاث أن الأخبار الإيجابية تُحفز مناطق في الدماغ مسؤولة عن السعادة والإبداع

والتحفيز. فمثلاً:


قصص النجاح تُرفع من مستويات الدوبامين، ما يعزز شعور الفرح والحيوية.


المبادرات الإنسانية تُنشّط مناطق الدماغ المرتبطة بالتعاطف والانتماء الاجتماعي.


الأخبار المشجعة تُحسن التفكير الإبداعي وتفتح المجال للأفكار الجديدة.


هذا التأثير العاطفي ليس بسيطاً، بل هو ما يجعل الناس يشاركون تلك الأخبار على مواقع

التواصل الاجتماعي بشكل كبير، لأن الأخبار الجيدة تُثير مشاعر الفرح والانتماء، وتخلق سلسلة

من التأثير الإيجابي بين الأفراد.



دور وسائل التواصل الاجتماعي في نشر الإيجابية

في السنوات الأخيرة، أصبحت منصات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وإنستغرام وتيك توك،

ساحة لنشر القصص الملهمة. كثير من المستخدمين يفضلون الآن متابعة الصفحات التي

تنشر الطاقة الإيجابية، مثل قصص النجاح أو حملات المساعدة الإنسانية أو المبادرات البيئية.


هذه الظاهرة تُظهر أن الجمهور عطشان للأمل، ويريد أن يرى الجانب الجميل من العالم، وليس

فقط الجانب المظلم. بعض الحسابات المتخصصة في نشر الأخبار الإيجابية حققت ملايين

المتابعين، مما يدل على أن الناس يبحثون عن محتوى يرفع معنوياتهم ويُشجعهم على

العطاء والإبداع.


من الأمثلة الواقعية:


صفحات تعليمية تُبرز مشاريع الشباب في الابتكار والتكنولوجيا.


صفحات خيرية تنشر قصص الأطفال أو الأسر المستفيدة من المبادرات الإنسانية.


حسابات صحية تُشارك نصائح للحياة الصحية النفسية والجسدية مع قصص أشخاص تغلبوا

 على تحدياتهم.



أمثلة من الواقع

المغرب

أطلق مجموعة من الشباب مبادرة “الخير فينا”، التي تهدف إلى مساعدة الأسر الفقيرة في

المناطق الجبلية خلال فصل الشتاء، عبر توزيع الملابس والمواد الغذائية. المبادرة لم تقتصر

على تقديم المساعدات فقط، بل شجعت المجتمع المحلي على المشاركة والتطوع، مما خلق

روحاً من التضامن والرحمة.


مصر

تم تأسيس مبادرة لتعليم الأطفال في القرى النائية عبر الإنترنت بوسائل بسيطة مثل الهواتف

الذكية والأجهزة اللوحية، مع توفير برامج تعليمية تفاعلية. هذه المبادرة مكنت الأطفال من

الوصول إلى المعرفة رغم ضعف الموارد، وعززت مهاراتهم التعليمية والاجتماعية.


الإمارات

تُنظم سنوياً “قمة السعادة العالمية”، التي تجمع خبراء من مختلف دول العالم لمناقشة سبل

تعزيز الإيجابية في المجتمعات، سواء عبر السياسات العامة أو المبادرات المحلية. هذه

الفعاليات تظهر أن السعادة والإيجابية يمكن قياسها وزراعتها على مستوى المجتمع.


دول أخرى

في اليابان، أطلقت بعض المدن برامج لتعزيز الصحة النفسية للسكان عبر ورش عمل وأنشطة

جماعية.


في كندا، تم تدشين مشاريع بيئية لتعويض انبعاثات الكربون، بمشاركة المجتمع المدني

والشركات.


في البرازيل، مبادرات لمكافحة الفقر عبر التدريب المهني للشباب والنساء.


هذه الأخبار الصغيرة تخلق تأثيراً كبيراً، لأنها تُظهر أن العالم لا يزال بخير، وأن الإنسانية لم تفقد

قيمها.



دور الإعلام في تغيير الصورة

الإعلام التقليدي (التلفزيون والصحف والمواقع الإخبارية) يمكن أن يلعب دوراً محورياً في تعزيز

الأخبار الإيجابية.


بدلاً من التركيز فقط على الحوادث والكوارث، يمكن تخصيص فقرات أو برامج بعنوان “زاوية

الأمل” أو “قصص ملهمة من العالم”. بعض القنوات بدأت فعلاً في تطبيق هذا التوجه:


قناة BBC أطلقت قسم “Solutions Journalism” المخصص لعرض الحلول بدلاً من عرض

المشاكل فقط.


بعض الصحف أدرجت أعمدة أسبوعية للقصص الإيجابية، مثل مبادرات الشباب والمشاريع

البيئية والتعليمية.


القنوات التلفزيونية بدأت في عرض قصص ملهمة عن رواد أعمال وصانعي تغيير في

المجتمعات المحلية والعالمية.


الإعلام يمكن أن يكون عامل تمكين وتشجيع للإنسانية، ليس فقط ناقلاً للمشاكل، بل محفزاً

للحلول والإبداع.



علمياً: كيف تؤثر الأخبار الإيجابية على الدماغ

الأخبار الإيجابية ليست مجرد شعور مؤقت بالسعادة، بل لها تأثير علمي ملموس على وظائف

الدماغ:


الدوبامين والسيروتونين: هرمونا السعادة يتحفزان عند متابعة الأخبار الملهمة، مما يحسن

المزاج ويزيد التركيز ويقوي العلاقات الاجتماعية.


الكورتيزول: الأخبار السلبية ترفع من مستوى هذا هرمون التوتر، مما قد يؤدي إلى مشاكل صحية

مثل ارتفاع ضغط الدم والقلق المزمن.


المرونة النفسية: متابعة الأخبار الإيجابية تساعد العقل على التكيف مع المواقف الصعبة

بشكل أفضل، وتزيد من القدرة على مواجهة التحديات اليومية.


باختصار، اختيار نوع الأخبار التي نستهلكها يومياً هو قرار صحي قبل أن يكون إعلامياً.



كيف نساهم نحن كأفراد في نشر الإيجابية

ليس من الضروري أن نكون صحفيين لننشر الخير. كل شخص يستطيع أن يكون "مصدراً

للأخبار الإيجابية". إليك بعض الطرق العملية:


مشاركة القصص الملهمة: سواء عبر وسائل التواصل أو مع العائلة والأصدقاء.


التركيز على الحلول: بدلاً من التركيز على المشكلة فقط، يمكن عرض طريقة التغلب عليها أو

المبادرة الإيجابية التي تم تنفيذها.


الدعم المباشر: دعم المشاريع الخيرية أو التعليمية أو البيئية، ومشاركة نجاحها مع الآخرين.


الإيجابية اليومية: حتى الأمور الصغيرة مثل كلمات تشجيعية أو تقدير مجهود الآخرين، لها تأثير

إيجابي كبير على المحيطين.


الإيجابية معدية، وكلما نقلناها إلى الآخرين، زاد تأثيرها في المجتمع، وصار بإمكاننا خلق مجتمع

أكثر تفاؤلاً وأماناً وسعادة.




العالم مليء بالألم، نعم، لكنه أيضاً مليء بالقصص الجميلة والقلوب الطيبة والإنجازات

المُلهمة. الأخبار الإيجابية ليست تجاهلاً للواقع، بل تذكير بأن الأمل لا يموت، وأن الإنسان قادر

على الإبداع والعطاء والتغيير للأفضل.


فلنحاول جميعاً أن نكون جزءاً من هذا التيار، سواء عبر مشاركة محتوى إيجابي، أو عبر دعم

الإعلام المسؤول الذي يُبرز الجانب المشرق من الإنسانية، أو من خلال أفعال بسيطة في حياتنا

اليومية.


في النهاية، كل قصة نجاح، كل مبادرة إنسانية، كل خبر جيد نسمعه، هو بذرة أمل تزرع في

عقولنا وقلوبنا. دعونا نروي هذه البذور، ونجعل العالم مكاناً أفضل بالابتسامة، والكلمة الطيبة،

والفعل الصالح، والإيمان بأن الغد يمكن أن يكون أجمل.


إرسال تعليق

0 تعليقات
إرسال تعليق (0)