حين يتحول الهدوء إلى لغز
في عمق الصحراء العربية، على بُعد كيلومترات طويلة من أقرب مدينة مأهولة، كانت تقوم قرية
صغيرة تُدعى **الرميلة**. لم تكن أكثر من تجمع بيوت طينية تحيط بها النخيل والآبار القديمة،
لكنها كانت مثالًا نادرًا على السكينة. الليل هناك كان يُشبه الغطاء؛ هادئًا، ثابتًا، تُسمع فيه
أصوات الرياح الخفيفة ووقع خطوات العابرين فقط. كان أهل القرية ينامون مبكرًا،
ويستيقظون على ضوء الفجر، دون أن يعرفوا أن يومًا سيأتي يصبح فيه النوم ذكرى بعيدة.
ذلك اليوم لم يكن عاصفًا، ولم يحمل نذير شؤم ظاهر. ومع ذلك، صار فيما بعد تاريخًا يُتداول
همسًا، اليوم الذي تغيّر فيه كل شيء — **اليوم الذي توقّف فيه النوم**.
البداية: نداء من باطن الأرض
في صيف عام 1998، ومع اشتداد الحرّ وقلة المياه، قرر شاب في أواخر العشرينيات يُدعى
**سالم** أن يحفر بئرًا قرب أطراف القرية. كان سالم معروفًا بعناده وطموحه، يرى أن
المستقبل لا ينتظر المترددين. حين أخبر أهل القرية بنيته، انقسموا بين مشجّع ومتخوّف.
لكن التحذير الأشد جاء من الجدّ الأكبر، رجل تجاوز الثمانين، يُقال إنه يعرف تاريخ الأرض كما
يعرف كفّه. قال لسالم بنبرة لم ينسها أحد:
"تلك الأرض ليست للأحياء يا بني. اتركها نائمة."
ضحك سالم، وعدّ الأمر خرافة من زمنٍ قديم. في اليوم الثالث من الحفر، وعند عمق سبعة أمتار
تقريبًا، توقّفت المعاول فجأة. ساد صمت غريب، ثم سُمع **أنين خافت**، كأنه زفير طويل يخرج
من باطن الأرض. تبادل سالم ورفاقه النظرات، وأقنعوا أنفسهم أن الصوت ليس سوى حركة
هواء في طبقات الرمل.
لكن الأنين تكرّر.
الحدث الغريب: الليلة الأولى بلا نوم
مع حلول منتصف الليل، لاحظ بعض السكان همسًا يتسلّل من اتجاه البئر. لم يكن صوتًا
واضحًا، بل ذبذبة خفيفة تُشبه الكلمات حين تُقال تحت الماء. خرج الرجال يحملون مصابيحهم،
وعندما اقتربوا، رأوا ما لم يتوقّعوه: **نور أزرق باهت** يشتعل داخل فوهة البئر، ينعكس على
الرمال المحيطة.
لم يكن الضوء حادًا، لكنه كان كافيًا ليزرع القلق في القلوب. أُغلق المكان مؤقتًا، واتفق الجميع
على العودة في الصباح. غير أن تلك الليلة كانت مختلفة؛ لم يذق أحد نومًا عميقًا. أغمضوا
أعينهم، لكن عقولهم بقيت يقِظة، وكأن شيئًا ما يمنعهم من الاستسلام للراحة.
مع شروق الشمس، ظهرت علامات الإرهاق على الوجوه، لكن أحدًا لم يتخيّل أن الأمر سيتحوّل
إلى حالة دائمة.
الأيام التالية: إرهاق بلا تفسير
مرّت أيام، ثم أسابيع، وأهل الرميلة لم يعرفوا النوم الحقيقي. بعضهم كان يغفو دقائق، ثم
يستيقظ مفزوعًا دون حلم. الأطفال أصبحوا عصبيين، والرجال متوترين، والنساء يشكين
صداعًا دائمًا. لم تكن هناك أصوات ليلية مرعبة، ولا كوابيس متكررة، بل **حرمان تام من النوم**،
كأن القرية بأكملها عالقة بين اليقظة والغفوة.
بدأت الشائعات تنتشر، وربط البعض ما يحدث بالبئر الجديدة. آخرون قالوا إن الأمر مجرد توتر
جماعي، وسيمرّ.
لكنه لم يمرّ.
التحقيق: علماء وزوّار يبحثون عن تفسيرات
وصلت أخبار القرية إلى خارج الصحراء. جاءت فرق علمية وصحفيون، وكان من بينهم الدكتور
**مروان الزهراني**، خبير في علوم النوم. أقام في الرميلة أسبوعًا كاملًا، أجرى فحوصات، وسجّل
الملاحظات.
كتب في مذكراته:
> "لا وجود لمنبّهات كيميائية في الهواء، ولا ضوضاء تحت سمعية، ولا تفسير طبي مباشر.
التأثير أقرب إلى مجال مغناطيسي غير معروف."
في الليلة الرابعة، استيقظ الدكتور مروان على إحساس ثقيل، ورأى **ظلًا بلا ملامح** يقف قرب
النافذة، يهمس بصوت بالكاد يُسمع:
"أنتم أيقظتم ما كان نائمًا."
في الصباح، بدا عليه الارتباك، وغادر القرية قبل انتهاء الأسبوع، رافضًا الإدلاء بأي تصريح
إضافي.
الشهادة: روح الحارس القديم
وسط الفوضى، برز صوت **أم ناصر**، عجوز القرية. قالت إن الأرض التي حُفر فيها البئر كانت
موضع **حارس قديم**، روح أو كيان دُفن هناك منذ قرون ليحمي شيئًا لا يجب أن يُكشف.
وأكدت أن سالم خالف وصية قديمة، وفتح **بوابة بين عالمين**.
سخر البعض من حديثها، لكن الغريب أن كل من اقترب من فوهة البئر سمع الهمس نفسه،
بصيغ متشابهة:
"لماذا أيقظتموني؟"
الاختفاء: غياب أول ضحية
بعد أسبوع من بدء الظاهرة، اختفى سالم. خرج ليلًا متجهًا نحو البئر، ولم يعد. عُثر على آثار
أقدامه تنتهي فجأة عند الحافة، دون أثر لسقوط أو صراع. كان اختفاءه الشرارة التي حوّلت
الخوف إلى يقين.
بدأ بعض السكان بالرحيل، تاركين بيوتهم خلفهم. أما الذين بقوا، فكانوا يعيشون في حالة وعي
مُرهق لا يهدأ.
محاولات الإغلاق وما تبعها من كوابيس
في عام 2000، أُرسلت جهة رسمية لإغلاق البئر بالإسمنت. العملية انتهت خلال يومين، لكن
آثارها استمرّت طويلًا. كل من شارك في الإغلاق عانى كوابيس متكررة وإعياءً حادًا. أحدهم توفي
بأزمة قلبية بعد أشهر، وآخر غادر البلاد دون أن يتحدث عمّا رأى.
رغم الإغلاق، لم يعد النوم إلى الرميلة كما كان.
كيف وصلت القصة إلى العالم؟
صحفي شاب سجّل تقريرًا بعنوان **"القرية التي لا تنام: لغز الرميلة"**. انتشر التقرير على نطاق
واسع، لكن المفاجأة كانت أن اسم القرية اختفى لاحقًا من الخرائط الرقمية. الإحداثيات القديمة
لم تعد تشير إلى مكان مأهول، وكأن القرية مُسحت من الوجود.
أسطورة أم حقيقة؟
هل كانت الرميلة ضحية لعنة قديمة؟ أم لظاهرة طبيعية لم تُفهم بعد؟ لا أحد يملك جوابًا
قاطعًا. بعض المسافرين يروون أنهم حين يعبرون الصحراء ليلًا، يرون **ضوءًا أزرق** يلمع من
بعيد، ثم يختفي فجأة.
تبقى قصة الرميلة واحدة من أغرب حكايات العالم العربي، وتذكيرًا غامضًا بأن هناك أماكن على
هذه الأرض **لا ترغب في أن تُكتشف**.
ما بعد الرحيل: قرية تتآكل ببطء
بعد اختفاء سالم وإغلاق البئر، لم تعد الرميلة كما كانت. البيوت الطينية بدأت تتشقّق، وكأن
الأرض نفسها فقدت توازنها. النخيل جفّ على غير عادته، والآبار القديمة صارت مياهها مُرّة. من
بقي من السكان عاشوا أيّامًا متشابهة؛ نهار طويل مثقل بالإرهاق، وليل بلا نوم، بلا أحلام، بلا
راحة.
الغريب أن الوقت نفسه بدا مشوّشًا. بعض الأهالي أقسموا أن الأيام تمرّ ببطء شديد، بينما
قال آخرون إن الأسابيع تختفي دون أن يشعروا بها. الساعات لم تعد تُقاس، بل تُحسّ كضغط
مستمر على الصدر.
رسائل غير مفهومة وأصوات الفجر
في أحد الصباحات، وجد الإمام السابق للقرية أوراقًا متناثرة قرب المسجد المهجور، مكتوبة بخط
غير مألوف، تتكرّر فيها جملة واحدة بصيغ مختلفة:
"أعيدوني إلى النوم."
لم يعترف أحد بكتابتها. في الليالي اللاحقة، بدأ بعض السكان يسمعون طرقًا خفيفًا قبيل الفجر،
ليس على الأبواب، بل من تحت الأرض مباشرة. طرق منتظم، ثلاث دقّات، يتوقّف، ثم يعود.
من حاول تجاهله شعر بصداع حاد، ومن خرج ليتفقد المكان عاد شاحب الوجه، رافضًا الحديث
عمّا سمع أو رأى.
مذكّرات منسية: اعتراف متأخر
بعد سنوات، عُثر في بيت مهجور على دفتر جلدي تآكلت أطرافه، يُعتقد أنه كان للجدّ الأكبر. احتوى
الدفتر على إشارات غامضة إلى "نائم الحراسة"، كيان أو روح أُوكلت إليه مهمة البقاء يقظًا بين
العوالم، شرط ألا يُوقظ.
جاء في إحدى الصفحات:
"إن استيقظ، سيسلب النوم ممّن حوله، لأن النوم حقّه وحده."
كانت تلك الجملة كافية لتفسير ما عجز العلم عن شرحه.
زيارة أخيرة: الصحفي والعودة المستحيلة
بعد اختفاء الرميلة من الخرائط، حاول الصحفي الذي نشر التقرير العودة إلى الموقع. استخدم
الإحداثيات القديمة، وسار لساعات في الصحراء، لكنه لم يجد سوى أرض قاحلة بلا أثر لقرية أو
بئر.
قبل أن يغادر، رأى انعكاسًا أزرق خافتًا في الأفق، وسمع همسًا بالكاد التُقط:
"متأخرون… كان يجب ألا تأتوا."
عاد الصحفي، لكنه لم ينشر شيئًا بعدها، واكتفى بجملة واحدة كتبها في دفتره الخاص: "بعض
الأماكن لا تختفي… نحن فقط نفقد القدرة على الوصول إليها."
حين يصبح النوم ثمن الفضول
قصة الرميلة ليست مجرد حكاية رعب، بل تحذير قديم بثوب جديد. فضول البشر يدفعهم أحيانًا
إلى نبش ما يجب أن يبقى مطمورًا. وبين العلم والأسطورة، تبقى الحقيقة معلّقة.
وإن مررت يومًا في صحراء هادئة، وشعرت بإرهاق مفاجئ، أو لم تستطع النوم تلك الليلة… فتذكّر
أن هناك من استيقظ ذات مرة، وما زال يبحث عمّن يعيده إلى سباته الأبدي.

.png)
